15

المخاطر التي تحيق باقتصاد أميركا المزدهر

كمبريدج ــ بعد فترة طويلة من التعافي البطيء من الركود الذي بدأ قبل عقد من الزمن، بدأ اقتصاد الولايات المتحدة الآن يزدهر. فقد بلغت سوق العمل مستوى التشغيل الكامل للعمالة، وبدأ معدل التضخم يرتفع، وأصبحت الأسر متفائلة. وتستفيد شركات التصنيع وبناء المساكن من النشاط المتزايد. والاقتصاد الآن مهيأ لنمو أقوى في العام المقبل. ولم نعد نسمع أي أحاديث عن الركود المزمن.

الآن لا يتجاوز معدل البطالة الإجمالي 4.7%، في حين انخفض معدل البطالة بين خريجي الجامعات إلى 2.4% فقط. وارتفع متوسط الدخل للساعة بنسبة 2.8% مقارنة بما كان عليه قبل عام واحد. وتدفع سوق العمل المحكمة والأجور المرتفعة بعض الأفراد الذين توقفوا عن البحث عن العمل إلى العودة إلى قوة العمل، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز معدل المشاركة.

ومن المؤشرات الواضحة التي تدل على بلوغ الاقتصاد مستوى التشغيل الكامل للعمالة أن معدل التضخم في ازدياد. فقد وصل مؤشر أسعار المستهلك "الأساسي" (الذي يحذف أسعار الطاقة والغذاء المتقلبة) إلى معدل سنوي قدره 2.2%، وهذا أعلى كثيرا من المتوسط الذي بلغ 1.8% خلال السنوات الثلاث المنصرمة. وخلال القسم الأعظم من الأشهر الثلاثة الأخيرة، ارتفع التضخم الأساسي بمعدل سنوي قدره 2.8%.

كما تسجل ثروة الأسر أيضا زيادة ملموسة. فقد ارتفعت أسعار المساكن، وهي الأصل الأكثر أهمية للأسر الأميركية، بنسبة 5% خلال الأشهر الاثني عشر الأخيرة. كما دفع ارتفاع سوق البورصة المقياس الأعرض لصافي الثروة إلى الارتفاع بسرعة أكبر.

وتشير استطلاعات أراء المستهلكين إلى مشاعر إيجابية قوية. فقد بلغ مؤشر مشاعر المستهلكين التابع لجامعة متشيجان مؤخرا أعلى مستوى له في سبعة عشر عاما. وعلى نحو مماثل، سجل مؤشر ثقة المستهلك التابع لمنظمة مجلس المؤتمر أعلى مستوى له في خمسة عشر عاما في فبراير/شباط.

كما زادت شركات التصنيع من إنتاجها في كل من الأشهر الستة الماضية. وتتسابق شركات بناء المساكن لمواكبة الطلب، وهو ما انعكس في زيادة تجاوزت 6% في عدد مساكن الأسر المنفردة الجديدة في الأشهر الاثني عشر الماضية.

يشير كل هذا إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) سوف يرتفع بسرعة أكبر في عام 2017 مقارنة بارتفاعه في السنوات الأخيرة. وفي حين تسببت أرقام التجارة والمخزون المتقلبة في دفع أرقام الناتج المحلي الإجمالي الأخيرة إلى الانخفاض، فإن المقياس الأكثر جوهرية للمبيعات النهائية للمشترين في القطاع الخاص كان في ارتفاع بالأرقام الحقيقية بمعدل سنوي بلغ نحو 2.5%. ومن المرجح أن يزداد الناتج المحلي الإجمالي عموما بمعدل مماثل في 2017 ككل.

ولكن على الرغم من صحة الاقتصاد حاليا، فإنه يعاني أيضا من بعض الهشاشة. فقد شهدت الولايات المتحدة عقدا من أسعار الفائدة المفرطة الانخفاض، وهو ما دفع المستثمرين والمقرضين إلى السعي إلى الحصول على عائدات أعلى من كل أنماط الأصول من خلال المزايدة على الأسعار وتقديم القروض العالية المخاطر. ومكمن الخطر هنا هو أن الأصول المبالغ في تقدير أسعارها والقروض العالية المخاطر من الممكن أن تفقد قيمتها وتتسبب في انكماش الاقتصاد.

تبلغ نسبة الأسعار إلى المكاسب في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الآن ما يقرب من 70% أعلى من متوسطها التاريخي. وعودة نسبة الأسعار إلى المكاسب إلى متوسطها التاريخي من شأنه أن يدفع أسعار الأسهم إلى الانخفاض بنحو 40%، وهذا يعني ضمنا خسارة أكثر من 9 تريليون دولار، وهو ما يعادل نصف مجموع الناتج المحلي الإجمالي تقريبا.

يبلغ عائد سندات الخزانة لعشر سنوات الآن 2.5% فقط. ومع معدل التضخم الحالي الذي يتجاوز 2% والأسواق التي تتوقع معدل تضخم مماثل في الأمد الأبعد (قياسا على توقعات التضخم لخمس سنوات مقدما)، فينبغي لعائد سندات الخزانة لعشر سنوات أن تكون أعلى من 4%. وارتفاع العائد على سندات العشر سنوات إلى 4% من شأنه أن يخفض قيمة هذه السندات بشكل كبير. أما السندات الأخرى الطويلة الأجل ــ السندات الحكومية وسندات الشركات ــ فسوف تعاني من انخفاض مماثل.

كما أدى البحث عن العائد إلى تضييق الفوارق في الائتمان بين السندات العالية الجودة والسندات المحلية وسندات الأسواق الناشئة الأكثر خطورة. كما حدثت مزايدات على أسعار العقارات التجارية حتى ارتفعت إلى مستويات غير مستدامة في الأرجح.

في الوقت نفسه، قدمت البنوك والمقرضون قروضا تحمل أسعار فائدة لا تعكس المخاطر التي يتعرض لها المقرضون. ولأن هذه القروض المخففة الشروط تفرض شروطا أقل على المقترضين، فإنها أكثر عُرضة للتخلف عن السداد إذا تدهورت الظروف الاقتصادية.

ولكن النتيجة السيئة ليست حتمية. فمن غير الممكن أن تتحقق أي من هذه المخاطر التي وصفتها. فقد تعود أسعار الفائدة إلى مستوياتها الطبيعية، وربما يجري تصحيح أسعار الأصول تدريجيا. ولكن الأمر لا يخلو من خطر واضح يتمثل في انهيار أسعار الأصول وانكماش الاقتصاد بفِعل عشر سنوات من أسعار الفائدة المفرطة الانخفاض. وسوف يشكل هذا تحديا كبيرا لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وإدارة ترمب في العام المقبل.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali