61

ضريبة على الروبوتات؟

أثينا ــ يكسب كين معيشة كريمة لائقة بعمله كمشغل لماكينة حصاد كبيرة لصالح المزارع لوقا. ويولد راتب كين ضريبة دخل ومدفوعات للضمان الاجتماعي تساعد في تمويل البرامج الحكومية لصالح الأفراد الأقل حظا في المجتمع. ولكن من المؤسف أن لوقا يعتزم الاستغناء عن كين والاستعاضة عنه بالروبوت نيكزس الذي يستطيع تشغيل الحصادة لفترة أطول، وبقدر أكبر من الأمان، في أي طقس، ومن دون استراحات غداء، أو عطلات، أو إجازات مرضية مدفوعة الأجر.

ويعتقد بِل جيتس أن تضييق فجوة التفاوت والتعويض عن التكاليف الاجتماعية التي تنطوي عليها تأثيرات الإزاحة الناجمة عن الأتمتة يتطلب إما أن يدفع نيكزس ضريبة الدخل، أو يدفع لوقا ضريبة باهظة في مقابل إحلال روبوت محل كين. وينبغي استخدام "ضريبة الروبوت" هذه لتمويل شيء مثل الدخل الأساسي الشامل. يسمح لنا اقتراح جيتس، وهو واحد من أشكال عديدة لفكرة الدخل الأساسي الشامل، بإلقاء نظرة على جوانب فاتنة تنطوي عليها الرأسمالية والطبيعة البشرية التي أهملتها المجتمعات الغنية لفترة طويلة للغاية.

تتجسد غاية الأتمتة الأساسية في حقيقة مفادها أن نيكزس، على النقيض من كين، لن يتفاوض أبدا على عقد عمل مع لوقا. الواقع أنه لن يحص على أي دخل. والطريقة الوحيدة لمحاكاة ضريبة الدخل بالنيابة عن نيكزس هي استخدام آخر دخل سنوي حصل عليه كين كراتب مرجعي واستخراج ضريبة الدخل ورسوم الضمان الاجتماعي من إيرادات لوقا بما يعادل ما كان يدفعه كين.

بيد أن هذا النهج ينطوي على ثلاث مشاكل. فبادئ ذي بدء، في حين كان دخل كين ليتغير بمرور الوقت لو لم يُفصَل، فإن الراتب المرجعي من غير الممكن أن يتغير إلا على نحو تعسفي وبطريقة تضع السلطات الضريبية في مجابهة مع أصحاب الأعم��ل. وسوف يشتبك مكتب الضرائب ولوقا في نهاية المطاف حول التقديرات المحتملة لمدى ارتفاع أو انخفاض راتب كين، لو ظل قائما بعمله.

وثانيا، يعني ظهور آلات تشغلها الروبوتات ولم يسبق من قبل قط تشغيلها بواسطة بشر أننا لن نجد دخلا بشريا سابقا يعمل كراتب مرجعي لحساب الضرائب التي يجب أن تدفعها هذه الروبوتات.

وأخيرا، من الصعب فلسفيا تبرير إجبار لوقا على دفع ضريبة "دخل" بالنيابة عن الروبوت نيكزس ولكن ليس عن الحصادة التي يشغلها نيكزس. فكل منهما آلة في نهاية المطاف، وقد تسببت الحصادة في إزاحة عدد أكبر من العمالة من البشر مقارنة بمن قد يزيحهم الروبوت نيكزس. والتبرير الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه لمعاملة كل من الآلتين على نحو مختلف هو أن نيكزس يتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية.

ولكن إلى أي مدى نستطيع أن نعتبر نيكزس مستقل حقا على نحو لا ينطبق على الحصادة؟ أيا كان مدى تقدم نيكزس، لا يمكننا اعتباره مستقلا إلا إذا نشأ لديه قدر من الوعي، سواء بشكل تلقائي أو بمساعدة صانعيه.

وما لم يحقق نيكزس هذه القفزة (مثل أشباه البشر نيكزس-6 في فيلم بليد رانر عام 1982) فلن يكتسب "حق" اعتباره مميزا عن الحصادة التي يتولى تشغيلها. ولكن عند هذه النقطة تكون البشرية أفرزت نوعا جديدا من الكائنات وحركة حقوق مدنية جديدة (والتي قد أنضم إليها بكل سرور) تطالب بالحرية من أجل نيكزس فضلا عن منحه حقوق متساوية مع كين ــ بما في ذلك الأجر الكافي للمعيشة، والحد الأدنى من الفوائد، وحق التصويت.

إذا افترضنا أن الروبوتات لا يمكن حملها على دفع ضريبة الدخل من دون خلق احتمال جديد لاندلاع الصراع بين السلطات الضريبية وأصحاب الأعمال (مصحوبا بالمراجحة الضريبية والفساد)، فماذا عن فرض ضريبة على نيكزس عند نقطة بيعه للوقا؟ ربما يكون هذا ممكنا بالطبع: حيث تعمل الدولة على تحصيل ضريبة ثابتة لمرة واحدة من لوقا بمجرد إحلاله نيكزس محل كين.

الواقع أن جيتس يؤيد هذا البديل لحمل الروبوتات على "دفع" ضريبة دخل. وهو يعتقد أن إبطاء وتيرة الأتمتة وخلق معوقات ضريبية تخفف من تأثير الإزاحة الناجم عن التكنولوجيا، سياسة معقولة في المجمل.

ولكن فرض ضريبة ثابتة على الروبوتات لن يُفضي إلا إلى دفع منتجي الروبوتات إلى حزم الذكاء الاصطناعي داخل آلات أخرى. وسوف يصبح نيكزس مدمجا على نحو متزايد في الحصادة، الأمر الذ يجعل من المستحيل فرض ضريبة على العنصر الروبوتي بشكل منفصل عن الأجزاء "غير الذكية" التي تقوم بالحصاد.

وإما أن تُسقَط ضريبة المبيعات على الروبوتات أو يجري تعميمها ضمن ضريبة المبيعات المفروضة على السلع الرأسمالية. ولكن تخيل الكم الذي قد يُثار من اللغط والجلبة ضد فرض ضريبة على كل السلع الرأسمالية: الويل لأولئك الذين تسببوا في تقليص الإنتاجية المحلية وإضعاف القدرة التنافسية!

منذ نشأة الرأسمالية الصناعية، كنا سيئين للغاية في التمييز بين الملكية ورأس المال، وبالتالي بين الثروة والريع والأرباح. ولهذا السبب كان من الصعب للغاية تصميم ضريبة على الثروة. الواقع أن المشكلة المفاهيمية المتمثلة في التمييز بين نيكزس والحصادة التي يشغلها من شأنها أن تجعل من المستحيل الاتفاق على الكيفية التي يجب أن تعمل بها ضريبة الروبوت.

ولكن لماذا نجعل الحياة في ظل الرأسمالية أكثر تعقيدا مما هي عليه بالفعل؟ هناك بديل لضريبة الروبوت يمكن تنفيذها بسهولة وتبريرها ببساطة: الربح الأساسي الشامل، الممول من العائد على رأس المال كله.

لنتخيل هنا أن حصة ثابتة من إصدارات الأسهم الجديدة تذهب إلى صندوق ائتمان عام يعمل بدوره على توليد تيار من الدخل يستخدم لتغطية الربح الأساسي الشامل. من الناحية العملية، يصبح المجتمع مساهما في كل الشركات، وتوزع الأرباح بالتساوي على جميع المواطنين.

بقدر ما تعمل الأتمتة على تحسين الإنتاجية وربحية الشركات، يبدأ المجتمع بأسره في تقاسم الفوائد. ولن يتطلب الأمر فرض ضريبة جديدة، أو إدخال تعقيدات على القانون الضريبي، أو التأثير على التمويل القائم لدولة الرفاهة. ومع مساهمة الأرباح الأعلى وإعادة توزيعها تلقائيا من خلال الربح الأساسي الشامل في تعزيز الدخول، تصبح المزيد من الأموال متاحة لدولة الرفاهة. وباقترانه بحقوق أقوى للعمال وأجور معيشية أكثر لياقة، يحظى مفهوم الرخاء المشترك بفرصة جديدة للحياة.

قامت الثورتان الصناعيتان الأولى والثانية على آلات أنتجها مخترعون عظماء في حظائر مجيدة واشتراها رجال أعمال بارعون طالبوا بحقوق الملكية لتيار الدخل الذي ولدته "آلاتهم". وتتسم الثورة التكنولوجية اليوم بطابع اشتراكي متزايد لإنتاج رأس المال. وربما تكون الاستجابة العملية لهذا هي التعميم الاجتماعي لحقوق الملكية لتيارات الدخل الكبيرة التي يولدها رأس المال الآن.

باختصار، ينبغي لنا أن ننسى مسألة فرض الضريبة على نيكزس أو لوقا. وبدلا من ذلك، نضع حصة من أسهم لوقا في المزرعة في صندوق ائتمان عام، والذي بدوره يوفر حصة شاملة للجميع. بالإضافة إلى هذا، ينبغي لنا أن نستن التشريع اللازم لتحسين الأجور وظروف كل إنسان لا يزال يعمل في وظيفة، في حين تعمل ضرائبنا على تزويد كين باستحقاقات البطالة، أو وظيفة مأجورة مضمونة، أو إعادة التدريب.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali