16

الحقيقة الشخصية تسير قُدُما

لندن ــ في مناسبة شهيرة قال عضو مجلس الشيوخ الأميركي الراحل دانييل باتريك موينيهان: "كل إنسان مخَوَّل بأن يكون له رأيه الخاص، ولكنه ليس مخولا بأن تكون له حقائقه الخاصة". قد تكون هذه المقولة صادقة. ولكن الساسة والناخبين، سواء كانوا مخولين أو لا، يبنون واقعهم البديل الخاص ــ والعواقب المترتبة على هذه النزعة بعيدة المدى.

في زمننا الحاضر، أصبح من الصعب على نحو متزايد دعم الحقائق والصدق في عالَم السياسة (وفي عالَم التجارة وحتى في عالَم الرياضة). والآن يحل محلها ما أسماه الكوميدي الأميركي ستيفن كولبير "الحقيقية الشخصية": التعبير عن شعور داخلي أو رأي باعتباره بيانا صالحا للحقيقة. ويبدو أن عامنا هذا ربما يكون عام الذروة للحقيقة الشخصية.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

يحتاج الناخبون، حتى يتسنى لهم اتخاذ قرارات سليمة، إلى تقييم الحقائق الجديرة بالثقة، من البيانات الاقتصادية إلى تحليل الإرهاب، على أن تقدم إليهم هذه الحقائق بشفافية ومن دون تحيز. ولكن اليوم، يفضل المتحدثون على شاشات التلفاز شن الهجوم على ذوي الخبرة في مثل هذه المجالات. أما الشخصيات السياسية الطموحة ــ من قادة حملة الخروج البريطاني في المملكة المتحدة إلى المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب في الولايات المتحدة ــ فترفض الحقائق بالكامل.

الواقع أن البيئة مهيأة لمثل هذا السلوك. فقد سئم الناخبون، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة، سنوات من الوعود السياسية الكاذبة، والكشف عن حقائق كانت مطموسة، وتلفيق القصص السياسية والإعلامية بلا هوادة. وقد ألقت المعاملات المبهمة أو المريبة بظلال من الشك على نزاهة منظمات ومؤسسات ينبغي لنا أن نكون قادرين على الاعتماد عليها. على سبيل المثال، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا سلسلة من المقالات عن مراكز بحثية سلطت الضوء على تضارب المصالح الذي يتجلى في أولئك الذين يعملون كمحللين، ولكنهم مدينون بالفضل لممولي الشركات وفي بعض الأحيان يعملون أيضا كجماعات ضغط.

بمجرد أن يتبين لنا أن قِلة من الخبراء كانوا يقدمون لنا أنصاف الحقائق ــ أو ما هو أسوأ ــ فقد تصبح مصداقية المجال بالكامل موضع تشكك. على سبيل المثال، قالت كريستين تود ويتمان، التي كانت تشغل منصب رئيس هيئة حماية البيئة في الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، للمقيمين في مدينة نيويورك إن الهواء الذي يتنفسونه آمن وإن المياه التي يشربونها آمنة في الأيام التي أعقبت الهجوم الإرهابي على المركز التجاري العالمي. ولكن كما ذَكَر تقرير هيئة حماية البيئة في عام 2003، فإن الهيئة "لم تكن تملك البيانات والتحليلات الكافية لإصدار مثل هذا البيان" في ذلك الوقت. ومع تراكم حالات أمراض الجهاز التنفسي الحادة، تعترف ويتمان الآن بأن البيان كان خاطئا.

على نحو مماثل، كما أظهر تقرير شيلكوت الذي نُشِر مؤخرا، شُنَّت حرب العراق في عام 2003 استنادا إلى حجج زائفة. فلم تثبت تقارير الاستخبارات وجود أسلحة دمار ��امل في العراق، ورغم هذا تبع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بإخلاص الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في إصدار الأمر لجيشه بالغزو. ولا تزال النتائج المترتبة على هذا القرار تتوالى حتى الآن.

إذا كان بوسع قادتنا أن يخطئوا عمدا بشأن أمور تنطوي على مثل هذه العواقب الجسيمة، فكيف لنا أن نصدق أي شيء يخبروننا به؟ لقد فتح هذا السؤال الباب أمام نوع جديد أكثر وضوحا من الحقيقة الشخصية، والذي يتبناه أشخاص من أمثال ترامب، الذي يبدو وكأنه يقدم "حقائق" مخترعة طازجة على أساس يومي. ومن جانبهم، يستخدم نواب ترامب ظهورهم في التلفزيون ووسائل الإعلام الاجتماعية لإعادة التأكيد على الأكاذيب، ويبدو الأمر وكأنهم يعملون وفقا لمبدأ مفاده أن تكرار أي شيء بالقدر الكافي من شأنه أن يحوله إلى حقيقة.

ويبدو أن كثيرين من الناخبين على استعداد لمجاراتهم. فعندما قام أربعين من كبار صناع السياسة الخارجية وخبراء الأمن القومي من الجمهوريين بالتوقيع على خطاب أعربوا فيه عن معارضتهم لترامب، الذي يخشون أن يكون "الرئيس الأكثر استهتارا وإهمالا في التاريخ الأميركي"، لم تلق مخاوفهم سوى التجاهل إلى حد كبير. وبدا رد ترامب ــ بأن هؤلاء القادة هم الذين جعلوا العالَم "مكانا بالغ الخطورة" ــ معقولا بالقدر الكافي لتبرير تجاهل تحذيراتهم. وحتى الأكاذيب الصريحة التي قيلت في مقابلة بثت على الصعيد الوطني لم تجد من ينازعها، وكأن ترامب مخول حقا بأن تكون له حقائق خاصة به.

وقد حظي قادة حملة انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بميزة مماثلة في الفترة التي سبقت الاستفتاء على الخروج البريطاني في يونيو/حزيران. فقد رسموا صورة كاذبة بالكامل لظروف البلاد ــ من دورها في الاتحاد الأوروبي إلى تأثير الهجرة عليها ــ وبذلوا وعودا يعلمون تماما أنها مستحيلة حول ما قد يحدث إذا صوت المواطنون لصالح "الرحيل".

على سبيل المثال، أعلن قادة مثل بوريس جونسون، الذي يشغل حاليا منصب وزير خارجية بريطانيا، أن مبلغ 350 مليون جنيه إسترليني (465 مليون دولار أميركي) الذي يفترض أنه يُدفَع أسبوعيا للاتحاد الأوروبي (وهو رقم معيب تماما ولا يعبر عن الفوائد المتلقاة) سوف يعاد توجيهه إلى الخدمات الصحية الوطنية. حتى أن حملة الخروج وضعت هذا التعهد على ملصق على جانب حافلة الحملة.

الآن وقد انتهى الاستفتاء، تراجع جونسون وغيره، وغيرت الحملة تسميتها إلى حركة "غيروا بريطانيا"، ووعدت بإعادة توجيه أموال الاتحاد الأوروبي إلى مجالات أخرى. وقد أثار هذا غضب كثيرين، وخاصة في ضوء التحذير الأخير من قِبَل الهيئة التي تمثل المستشفيات في مختلف أنحاء إنجلترا بأن نقص التمويل دفع الخدمات الصحية الوطنية إلى حافة الهاوية. كما تراجع أنصار حملة الخروج البريطاني عن تعهداتهم بالحد من الهجرة، وسط زيادة حادة في جرائم الكراهية في مختلف أنحاء المملكة المتحدة، والتي ساعد خطابهم في تأجيجها.

كان من الواجب توضيح سلبيات الخروج البريطاني للناخبين قبل الاستفتاء ــ خاصة وأن كثيرين من خبراء الاقتصاد، وخبراء الدفاع، وقادة العالم، تحدثوا بها صراحة خلال الحملة. ولكن كما لاحظ كبير أنصار الخروج البريطاني مايكل جوف بكل فخر، فإن أهل المملكة المتحدة "نالوا كفايتهم من الخبراء".

في الواقع، يبدو أن بعض الناس صوتوا لصالح خروج بريطانيا على وجه التحديد لأن عددا كبيرا من الخبراء تحدثوا ضده. ويبدو أنهم يصدقون مقولة النائبة البرلمانية المناصرة لخروج بريطانيا جيزيلا ستيوارت: "الخبير الوحيد الذي يشكل أي أهمية هو الناخب". وليس من المستغرب أن يكون واقع ما بعد الاستفتاء مختلفا عن كل ما توقعه كثير من الناخبين الذين صوتوا لصالح خروج بريطانيا.

Fake news or real views Learn More

ومع كل هذا فإن الكشف عن الأكاذيب التي دفعت حملة الخروج إلى الانتصار لم يتسبب في إعادة الناس إلى أحضان الخبراء إلا قليلا. فالآن أصبحت الغَلَبة للحقيقة الشخصية، وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة ــ وهو ما يرجع إلى حد كبير إلى حقيقة مفادها أن عددا كبيرا من السلطات التي ينبغي لها أن تتصدى لهذه الأكاذيب ملوثة هي ذاتها بالحقيقة الشخصية.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel