19

القاعدة الذهبية المشوهة

برلين- " عامل الناس كما تحب أن يعاملوك " هو مفهوم بسيط ومنطقي وهو طريقة مباشرة لحل المعضلات الأخلاقية المعقدة ولكن في وقت أصبح فيه التمييز بين الصح والخطأ أصعب من أي وقت مضى ، يبدو أن هذه الفرضية الكلاسيكية – القاعدة الذهبية- أصبحت قديمة وغير مستخدمة .

لقد إنتشرت القاعدة الأخلاقية المتعلقة بالمعاملة بالمثل على مر التاريخ الإنساني بدءا بالحضارات القديمة في مصر واليونان والهند والصين وهي من بين الخيوط الفكرية الوحيدة التي تربط تعاليم كل دين رئيسي تقريبا وتعاليم الفلاسفة على مر العصور وذلك من سينيكيا الأصغر في روما القديمة إلى جان جاك روسو وجون لوك ومن ثم جان بول سارتر وجون راولس.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

إن القاعدة الذهبية هي أساس فهمنا المعاصر لحقوق الأنسان العالمية وتشكل جوهر العقد الإجتماعي المعاصر وهي نقطة البداية في تفاعلنا مع بعضنا البعض ضمن مجتمعاتنا وعلى أساس عالمي وهي تعكس صعود مفهوم تقاسم الإقتصاد وهو مفهوم تجسده شركات مثل اوبر وايربنب وهذه القاعدة عادة ما تكون الموجه لعلاقاتنا الشخصية .

لكن القاعدة الذهبية تتعرض للهجوم وأولئك الذين لديهم نفوذ أكبر يقودون مثل هذا الهجوم فالسياسيون وحتى في الدول التي يفترض أنها ديمقراطية ومستنيرة يرفضون تقديم الملاذ والملجأ لإناس يائسين يفرون من حرب وحشية كما لا يفعل هولاء السياسيون شيئا يذكر من أجل التعامل مع تصاعد إنعدام المساواة الإقتصادية ويتجاهلون العوامل التي تحرك حركات الحقوق المدنية مثل "حياة السود مهمة " في أمريكا.

إن إنعدام التعاطف هذا يعتبر أمرا مخيفا وهو ليس مقتصرا على السياسة ففي وقت يتمتع فيه قطاع الأعمال بنفوذ كبير – ربما بشكل يزيد عن الحد- على مستوى العالم ، تقوم الشركات في كثير من الأحيان  في سعيها للربح أو السلطة بتجاهل إلتزاماتها المجتمعية.

دعونا ننظر لقضية شركة ثيرانوس وهي شركة للتكنولوجيا الحيوية أسستها إليزابيث هولمز سنة 2003 . لقد وعدت تلك الشركة بإحداث ثورة في مجال إختبارات الدم ولسنوات عديدة تم كيل المديح لإجهزة إختبار الدم "أيديسون " التي طورتها الشركة على أساس أنها من الإجهزة الرائدة ولقد تبجحت ثيرانوس بالجهات المالية المرموقة الداعمة لها كما أقامت شراكات مع مجموعة كبيرة من الصيدليات وبدا وكإن مجلس الإدارة فيها متميز بشكل كبير على الورق وأرتفعت بسرعة قيمتها لتصل إلى 9 مليار دولار أمريكي .

في العام الماضي ظهرت الحقيقة فثيرانوس لم تكن إلا شكل من أشكال الخديعة فالغالبية الساحقة من إختبارات المختبر التي عملتها الشركة تمت بإستخدام إجهزة تقليدية كما أن العديد من النتائج التي قدمتها الشركة كانت غير صحيحة وفي واقع الأمر تكشف لاحقا أن ثيرانوس توقفت عن إستخدام أجهزة أيديسون بالكامل في صيف 2015 وألغت نتائج إختباراتها التي تم إصدارها منذ 2014 وأرسلت عشرات الآلآف من التقارير المصححة للإطباء والمرضى.

لكن لم تستطع ثيرانوس جبر الضرر ففي نهاية المطاف ثيرانوس هي شركة في قطاع الرعاية الصحية ولم تكن تبيع الجوارب أو الصابون مما يعني أن لإخطاءها عواقب حقيقية للعديد من المرضى الذين إتخذوا قراراتهم الصحية على أساس بيانات خاطئة.

إن من الصعب فهم الغطرسة والإستخفاف القاسي بالبشر الذي جعل الرئيس التنفيذي وفريق الإدارة يتلاعبون بصحة الناس وآمالهم بهذه الطريقة فهولمز التي عادة ما كانت تروج لشفافية شركتها وتحتفل بقيمتها الضخمة وحتى بعد أن عرفت أن أجهزة أيديسون لم تكن تعمل ، لم تقم بخرق القاعدة الذهبية فحسب ، بل قامت أيضا بتدميرها تماما .

وهولمز ليست الوحيدة فهناك الكثير غيرها فأوراق بنما – الملفات التي تم تسريبها من رابع أكبر شركة محاماة أوفشور في العالم موساك فونسيكا- تعطينا لمحة عن الجهود التي يبذلها الأفراد من إجل إخفاء أصولهم وتجنب دفع الضرائب . لقد قامت الشركات متعددة الجنسيات الرئيسية مثل آبل وأمازون وستاربكس بهيكلة أعمالها التجارية على أساس تقليل الضرائب ولدرجة إنها تواجه عقوبات من جهات مثل الإتحاد الأوروبي . لقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا بإن المرشح الرئاسي الإمريكي دونالد ترامب هو متحمس للتهرب الضريبي كذلك .

إن ترامب يعتقد إن التهرب الضريبي ينم عن "الذكاء". إن معظم الناس بما فيهم أنا نعتقد أن التهرب الضريبي ينم عن الأنانية والخبث وإنعدام المسؤولية ويعتبر خرقا للعقد الإجتماعي الذي مكن ترامب وعائلته من تجميع ثروتهم في المقام الأول . إن اي مجتمع يعتبر أن تصرفاته الخرقاء والتي تخدم مصالحه تنم عن الفضيلة هو مجتمع لا يمكن أن يعمل أو يزدهر .

لكن مثل هذا السلوك أصبح شائعا بشكل متزايد وبعواقب خطيرة ففي المملكة المتحدة أثار القادة السياسيون المخاوف وقدموا وعودا مستحيلة مما أدى في نهاية المطاف إلى نجاح التصويت بالخروج من الإتحاد الأوروبي. لقد أطلق الرئيس الجديد للفلبين رودريجو دوتيرتي ما يمكن أن يطلق عليه حربا على حقوق الإنسان مع المضي قدما في تبني سياسة إنعزالية قائمة على أساس التصرفات العدائية ضد البلدان الأخرى.

Fake news or real views Learn More

إن من الممكن أن حملة ترامب في حالة إنهيار تحت ثقل التاريخ الشخصي لحامل رايتها ولكن من الأسباب المهمة لنجاحها حتى الآن هو أنها روجت لكذبة أن العمال الأمريكيين سيستفيدون من بناء جدار – فعلي ومجازي- حول البلاد ولكن الحقيقة هي أن مقاربة ترامب الإنعزالية-والتي لن تموت بهزيمته الشهر القادم – سيكون لها تأثيرا معاكسا.

إن قاعدة المعاملة بالممثل منتشرة منذ نشأة الحضارة البشرية ولكن لا نستطيع أن نعتبرها أمرا مفروغا منه حيث يتوجب علينا أن لا نغفل عن قيمتها في حياتنا الشخصية والمهنية كما يجب أن لا نسمح لقادتنا إن يغفلوا عن قيمتها أيضا .