5

ما يحتاجه الناتو من ترمب

واشنطن دي سي - بينما تتواصل رحلة دونالد ترمب الخارجية الأولى بصفته رئيسًا، يلاحقه الاضطراب الناجم عن إقالته لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي والتحقيق الجاري في علاقة حملته الإنتخابية بروسيا. إن تأثير الاحداث في واشنطن ومن بين كل الأماكن التي سيزورها ترمب سيكون الأشد وطأة في بروكسل، حيث سيلتقي ترمب هناك بقادة حلف الناتو؛ فحلفاء أمريكا من قادة الناتو سيتطلعون إلى أمرين من جانب ترمب: طمأنتهم بإنه مدرك للحقائق الأساسية المتعلقة بالشؤون الأوروبية، ووجود إشارات تدل على استعداده لممارسة ذلك النوع من القيادة التي يحتاج إليها الناتو في الوقت الحالي.

يُعد التهديد الذي تشكله روسيا السمة الرئيسية للعلاقات الدولية الأوروبية في الوقت الراهن؛ إذ إن نظام الحكم الفاسد للرئيس الروسي فلاديمير بوتن قد أرسل قواته إلى جورجيا، إحدى الجمهوريات السوفيتية السابقة، وقام بغزو وإحتلال جزء من جمهورية سوفيتية ثانية، وهي أوكرانيا، وأستمر في مضايقة وإزعاج وإرهاب  ثلاث جمهوريات أخرى - وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا (وثلاثتهن أعضاء في حلف الناتو) وتعتمد الأنظمة الديمقراطية الأوروبية وكما كان عليه الحال أثناء الحرب الباردة، على حلف الناتو في حمايتها من الخطر القادم من الشرق.

لقد شعر الأوروبيون بالإرتياح عندما علموا بأن ترمب قد تراجع عن تصريحاته أثناء حملته الانتخابية بأن الناتو قد عفى عليه الزمن. بيد أن القلق لا يزال يراودهم حول ما علموه، وعلمته بقية دول العالم، عن علاقاته مع المسؤولين الروس، وخاصةً اجتماعه الودي جدا في المكتب البيضاوي مع وزير خارجية روسيا وسفيرها إلى الولايات المتحدة.

يتضح من ذلك الاجتماع ان ترمب لم يفهم أن بوتن ليس بصديق للولايات المتحدة وأوروبا، وأ�� هدفه في المقام الأول يتمثل في إضعاف الناتو من أجل بسط نفوذ روسيا في أوروبا. ولا شك أن بوتن لا ينوي استخدام ذلك النفوذ لتعزيز مصالح الولايات المتحدة أو تعزيز القيم الغربية.

يساور قادة الناتو في أوروبا القلق من أن  ترمب قد يفعل هناك ما فعله سلفه باراك اوباما في الشرق الأوسط فقد نأى باراك أوباما بالولايات المتحدة الأمريكية عن حلفاءها التقليديين - مصر وإسرائيل والسعودية - من أجل إقامة علاقات أوثق مع إيران، الخصم الإقليمي لتلك الدول وقد برر أوباما سياسته الاسترضائية تجاه إيران بأنها سياسة ستؤدي إلى سلوك إيراني أكثر ودا وإنضباطا ولكن تلك السياسة لم تُفضِ إلى ذلك: وكذلك الحال بالنسبة إلى روسيا التي لن تطبق هي الأخرى سياسة خارجية أقل عدوانية وأكثر سلمية في أوروبا، بصرف النظر عما يصرح به ترمب عن بوتين أو عما يفعله له.

يحتاج الناتو، بخلاف التأكيد على هذه المسألة الحيوية، شيئًا آخر من ترامب: وهو نوع القيادة التي قدمها رؤساء الولايات المتحدة على مر التاريخ إلى الحلف. لقد أوجدت عودة التهديد الروسي الحاجة إلى تطوير قوات الناتو العسكرية حتى لا تسول للكرملين نفسه بشن هجمات أخرى.

لم تدفع الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، كما أشار ترمب في حملته الانتخابية وهو محق بذلك حصتها العادلة من تكلفة التحديث العسكري وبصراحة من المستبعد تمامًا أن تنفق تلك الدول ما يجب عليها إنفاقه حسبما يرى المسؤولون الأمريكيون وقد كان ذلك هو النمط السائد أثناء الحرب الباردة. إن جعل أوروبا تتحمل المزيد من الأعباء سيتطلب، كما كان عليه  الحال في أثناء الحرب الباردة، حثًا حصيفًا من جانب الرئيس الأمريكي - على نحوٍ يتسم باللطف علنًا وبالحزم وراء الأبواب المغلقة - ومساهمات أكبر من جانب الولايات المتحدة نفسها، وهي مساهمات لا يمكن أن يكفلها سوى الرئيس الأمريكي.

إن دعوة الدول الأوروبية إلى بذل جهد جماعي من أجل دفاعها المشترك يعد أمرًا بالغ الصعوبة في الوقت الحالي، لأن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو تشهد انقسامًا كبيرًا في هذا الصدد فالدول الأعضاء في الشرق مثل بولندا ودول البلطيق تنظر إلى التهديد الروسي نظرة أكثر جدية من الدول الأعضاء في الغرب، والتي من بينها دول كثيرة، مثل ألمانيا، تعتمد على روسيا في إمدادات الغاز الطبيعي.

وعلاوة على ذلك فإن الكثير من الدول الأوروبية منقسمة داخليًا في الوقت الحالي، وتأوي الحركات الشعبوية التي ليس لها مصلحة في الدفاع المشترك ضد روسيا، كما أنها في بعض الأحوال تبدي إعجابها بنظام بوتن (بل إنها حركات يدعمها نظام بوتن ماليًا). وكما كان عليه الحال أثناء الحرب الباردة، فالولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على الأخذ بزمام المبادرة للتغلب على تلك الانقسامات على نحوٍ فعال من أجل وضع سياسات عبر الأطلسي تخدم مصالح الحلف ككل.

يعلم المسؤولون الأوروبيون أن الناتو لا يستطيع أداء دوره على نحوٍ فعال من دون قيادة الولايات المتحدة، سواءٌ صرحوا بذلك علنًا أم لا وسيكتشف ترمب في رحلته، إن لم يكن قد اكتشف بالفعل، أن نظرائه الأجانب سيريدون منه شيئًا. وما يريده أولئك الذين يحكمون الدول الأعضاء في حلف الناتو في الوقت الحالي - أو على أقل تقدير ما يعرفون أنهم بحاجة إليه - هو إرشاد الولايات المتحدة وتوجيهها ودعمها.

لا بد أن تنبع القيادة الأمريكية الدولية، كما كانت منذ أكثر من قرن، من المكتب البيضاوي. وبالنسبة إلى الناتو فإن ذلك النوع من القيادة المطلوبة لا يتضمن الخطابات الرنانة ولا يتضمن بلا شك التغريدات المتسمة بالاندفاع والتهور. ولكن تتمثل مهمة الرئيس الأمريكي في وضع الأهداف التي ستجعل الناتو أكثر قوة واتحادًا وأكثر قدرة على التعامل مع التهديدات الجديدة التي يواجهها، وإقامة علاقات مباشرة مع القادة الأوروبيين، ثم استمالتهم وإقناعهم بل وفي بعض الأحيان رشوتهم للقيام بما هو ضروري لتحقيق تلك الأهداف.

وليس هذا بالوصف الذي ينطبق على نمط قيادة ترمب الذي أبداه حتى وقتنا هذا، سواء بصفته مرشحًا أو رئيسًا. ولكن إذا كانت محادثاته في بروكسل ستقنعه بالحاجة إلى تلك القيادة، فقد تمثل أولى رحلاته خارج البلاد نجاحًا له ولحلف الناتو.