32

ترامب التنين والمينوتور

اثينا –دونالد ترامب على علم بخطر الإفلاس وإعادة التدوير المالي. اٍنه يعرف كل شيء عن النجاح وذلك بشكل افتراضي واستراتيجي، يليه خفض الديون الهائلة وإنشاء الأصول من الخصوم. لكن هل يفهم ترامب الاختلاف العميق بين ديون المستثمر وديون اقتصاد كبير؟ وهل يدرك أن فقاعة الديون الخاصة في الصين هي برميل بارود تحت الاقتصاد العالمي؟ الكثير يتعلق بمدى إدراكه لذلك.

لقد انتخب ترامب نتيجة الاستياء من سوء تدبير المؤسسة لطفرة ما قبل عام 2008 وركود ما بعد عام 2008. لقد تسبب وعده بالتحفيز الداخلي وبالسياسات التجارية الحمائية لإعادة وظائف التصنيع في وصوله إلى البيت الأبيض. بإمكانه تحقيق ذلك شريطة أن يكون على دراية بالدور الذي كانت تلعبه أمريكا في "الأيام الخوالي"، والدور الذي يمكنها أن تقوم به الآن وبشكل حاسم، دون إغفال أهمية الصين.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

قبل عام 1971، كانت الهيمنة الأمريكية مستندة على فائض حساب أمريكا الجاري مع بقية العالم الرأسمالي، الشيء الذي ساعد الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار من خلال إعادة تدوير جزء من الفائض لأوروبا واليابان. وإذا شكل هذا دعما للاستقرار الاقتصادي، فقد أضعف بشكل كبير عدم المساواة في كل مكان. لكن، بما أن أمريكا أصبحت في موقف عجز، لم يعد النظام العالمي قادرا على الاستمرار، مما أدى إلى ما دعوته بمرحلة المينوتور العالمية.

وفقا للأسطورة القديمة، كان الملك مينوس من كريت يتمتع بهيمنته بفضل المينوتور، وحش مأساوي سُجن في قصر مينوس. وكانت عزلة المينوتور الشديدة تُقارن بالخوف الذي استوحاه هذا الوحش، لأن شهيته النهمة لا تقبل إلا اللحم البشري - مما ساعد على ضمان حكم مينوس. وكانت سفينة محملة بالشباب تُبحِر بانتظام من أثينا البعيدة إلى جزيرة كريت لتقديم ثنائها الإنساني إلى هذا الحيوان. كانت هذه الشعيرة الشنيعة ضرورية للحفاظ على باكس كريتانا وهيمنة الملك.

بعد عام 1971، نمت هيمنة الولايات المتحدة عن طريق عملية مماثلة. المقصود بالمينوتور هنا العجز التجاري للولايات المتحدة، الذي التهم كميات متزايدة من صافي الصادرات في العالم. وقد تم تمويل العجز المتنامي في أميركا من خلال تدفق المليارات من الدولارات من صافي التدفقات اليومية إلى وول ستريت من المالكين الأجانب لهذه المصانع البعيدة (وغالبا من أمريكا)  -  شكل من أشكال الثناء الحديث على المينوتور العالمي.

وكلما نما العجز، كلما زادت شهيته لرأس المال الأوروبي والآسيوي. وما جعل المينوتور عالميا حقا هو وظيفته: فقد ساعدت في إعادة توظيف رأس المال (الأرباح والمدخرات�� وفائض المال). كما ساعدت على استمرار المصانع الألمانية في الاشتغال. تم ابتلعت كل منتجات اليابان، وبعد ذلك الصين. لكن في الوقت نفسه، تعلمت وول ستريت كيفية تحريك تدفقات رأس المال من خلال استخدام الأدوات المالية الدخيلة. وفتحت أبواب التمويل على مصراعيها وأغرقت العالم بالديون.

في خريف عام 2008، أصيب المينوتور بجروح قاتلة بعد اصطدامه بجدار ديون القطاع الخاص التي كانت تمثل منتج ثانوي لشهيته. في حين أن البنك الاحتياطي الفيدرالي والخزينة العامة أغرقا أسواق الولايات المتحدة (على حساب الأميركيين الضعفاء الذين تم التخلي عنهم منذ عام 1970)، لا شيء سيعود لطبيعته: لقد اختفت قدرة وول ستريت على مواصلة "إغلاق" حلقة إعادة التدوير العالمية. ولم يعد بإمكان القطاع المصرفي في الولايات المتحدة استغلال عجز التجارة المزدوجة والميزانية الذي تواجهه أميركا بهدف تمويل الطلب المحلي الكافي للحفاظ على ما تبقى من صافي الصادرات في العالم. ومنذ ذلك الوقت، لم يستطيع الاقتصاد العالمي استعادة توازنه.

وبعد إصابة المينوتور المميتة، على أمريكا شكر ليس فقط المجلس الاحتياطي الاتحادي والخزينة العامة على مساعدتهما في تجنب حدوث أزمة الكساد الأعظم. بل تم إنقاذ الولايات المتحدة أيضا من قبل التنين: فقد قامت الحكومة الصينية برفع الاستثمارات المحلية إلى مستويات غير مسبوقة لالتقاط الركود الذي تم إنشاؤه من قبل الانكماش في الإنفاق في الولايات المتحدة وأوروبا. لسنوات عديدة، سمحت الصين بخلق الائتمان بواسطة بنوكها الرسمية وغير الرسمية لتعيث في الأرض فسادا، كما سمحت لها بالاستفادة من مال البنك الاحتياطي الفيدرالي من خلال الحصول على قروض مقومة بالدولار. باختصار، تدخل التنين لإعادة توازن الغرب عندما لم يعد المينوتور قادرا على فعل ذلك.

كان قادة الصين على علم بما كانوا يفعلون. كانوا يخلقون فقاعة الاستثمار غير المستدام لإعطاء أوروبا والولايات المتحدة فرصة للعمل معا. لكن مع الأسف، فقد فشل كل منهما في القيام بذلك: أمريكا بسبب المواجهة بين الرئيس باراك أوباما والكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وأوروبا لأسباب مؤلمة جدا يصعب التحدث عنها. وعندما ضربت العاصفة عام 2015، مع ارتفاع معدلات الفائدة في الولايات المتحدة وانخفاض أسعار السلع الأساسية، كان على الصين تحريك خلق الائتمان مرة أخرى.

اليوم، يرتكز ازدهار الائتمان في الصين على ضمانات سيئة كالتي كان يعتمد عليها بير ستيرنز وليمان براذرز، وآخرين في عام 2007. وبسبب المبالغة في تقييم العملة الصينية بشكل كبير، قامت الشركات باقتراض الدولار لسداد الديون المقومة بالدولار، والضغط بقوة على أسعار الصرف.

خطة ترامب لمساعدة أولئك الذين تخلفوا منذ السبعينيات من القرن الماضي، في حالة ما إذا كانت عنده خطة واضحة، تتمحور حول محورين: حافز محلي وصفقات ثنائية تحت تهديد التعريفات الجمركية والحصص.ولكن إذا كان تصرفه قاسيا مع الصين، ودفع الصينيين لرفع قيمة الرنمينبي موظفا تهديدات الرسوم الجمركية وما شابه ذلك، فقد ينتهي به المطاف إلى وخز فقاعة ديون القطاع الخاص في الصين -  مطلقا العنان لسيل من العواقب السيئة التي من شأنها أن تطغى على أي حافز محلي يُدخله.

في هذه الحالة، فإن إنفاق ترامب على البنية التحتية سيتحول إلى المزيد من الرعاية المؤسسية، مما يدل على تأثير مضاعف. وهذا، بدوره، من شأنه أن يمهد الطريق للتقشف في المستقبل، وسيزيد الذعر من رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة والميزانية الاتحادية التي ستعاني من ضربة منبثقة من ضغط الالتزامات الحكومية غير الممولة (على سبيل المثال، الضمان الاجتماعي).

Fake news or real views Learn More

ولكي تنجح استراتيجية  ترامب الاقتصادية على المدى المتوسط ، لا بد  أن يفهم أنه ليس الدين العام الأمريكي، ولكن ديون القطاع الخاص الصيني، التي تحتاج إلى إعادة الهيكلة. خلاف ذلك، يمكن أن تذهب عوائد سندات الخزينة الأميركية سُدى، مما سيضعف بشدة قدرة الولايات المتحدة على تحمل الديون.

وبالمثل، يجب على ترامب أن يدرك أنه لا يمكن أن يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى عن طريق محاكاة التحفيز غير الممول لرونالد ريغان. لقد  نجحت تلك الحيلة عندما كان المينوتور مربوطا بالسلاسل ومتوفرا على التغذية. لن يتمهذا عندما تغيب النار عن التنين. بدلا من ذلك، إذا كان يريد ترامب حقا إعادة التوازن إلى الاقتصاد الأمريكي حتى يستفيد الشعب من فوائد النمو التي وعد بها كثيرا، عليه الاقتداء بالرئيس فرانكلين روزفلت وتطبيق الترتيبات الكينزية ذات الصلة باتفاقية بريتون وودز.