26

من هو الرئيس ترامب؟

كمبريدج ــ كان الفوز الانتخابي المذهل الذي حققه دونالد ترامب سببا في دفع الولايات المتحدة ــ والعالَم ــ إلى منطقة مجهولة. فلم يسبق للولايات المتحدة من قَبل قَط أن حكمها رئيس بلا خبرة سياسية أو عسكرية، أو رئيس يتهرب بشكل روتيني من الحقيقة، ويعتنق نظريات المؤامرة، ويتناقض مع نفسه على هذا النحو الفج. وكل هذا يجعل من المستحيل أن نعرف كيف قد يدير الحكم.

ولكن رئاسة ترامب التي باتت قريبة ليست بلا سابقة: فهناك رئاسة جورج دبليو بوش. والواقع أن أوجه التشابه بين الحالتين عديدة. فبادئ ذي بدء، لم يفز ترامب، مثله في ذلك كمثل بوش، بالتصويت الشعبي، ولكنه يستطيع رغم ذلك أن يفترض أنه لديه تفويض كاف لإجراء تغييرات شاملة. وقد يُفضي اتجاه هذا التغيير إلى نتائج ليست مقبولة حتى بين أنصاره.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

فبين الوعود التي أطلقها ترامب في مجال السياسة الاقتصادية، من المرجح أن تُستَن مقترحاته المالية: تخفيضات ضريبية كبيرة لصالح الأغنياء وزيادة الإنفاق على الدفاع وبنود أخرى. وربما تكون النتيجة هي ذاتها التي شهدناها عندما لاحَق بوش سياسات مماثلة: اتساع فجوة التفاوت بين الناس، ونمو عجز الموازنة.

علاوة على ذلك، قد ينتهي الخط الصاعد الذي شهدته سوق البورصة طوال سبع سنوات. ومن المرجح إلى حد كبير أن يسارع ترامب، الذي هاجم السياسة النقدية المتساهلة التي انتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال حملته، إلى عكس هذا الموقف والضغط على بنك الاحتياطي الفيدرالي لمنعه من رفع أسعار الفائدة.

لن يتمكن ترامب في الأرجح من الوفاء بوعده بزيادة حصة صادرات الاقتصاد الأميركي. ومن المؤكد أنه لن يكون قادرا على استعادة الوظائف في قطاع التصنيع التي خسرتها الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، مثلها في ذلك كمثل كل الدول الصناعية. ومن المحتمل أن تبدأ فجوة التفاوت في الدخل في الاتساع مرة أخرى، برغم التحسن اللافت للنظر الذي طرأ على دخل الأسرة المتوسطة ومعدل الفقر في العام الماضي.

والركود متوقع عند مرحلة ما من رئاسة ترامب، اعتمادا على السجل التاريخي الحافل للرؤساء الجمهوريين. فخلال إدارة جورج دبليو بوش شهدنا فترتي ركود؛ والواقع أن أغلب فترات الركود منذ أزمة الكساد الأعظم بدأت في عهد رؤساء جمهوريين.

وسوف تكون رئاسة ترامب أكثر مدعاة للقلق عندما يتعلق الأمر بجبهة السياسة الخارجية، حيث تنتظرنا العديد من الكوارث. ولدينا من الأسباب ما يجعلنا نخشى أن تؤدي حسابات خاطئة إلى مآس، تماما كما تخبط بوش في الرد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، وفشل في أسر أسامة بن لادن، وغزا العراق.

سوف يتأثر دور أميركا كزعيمة عالمية بكل تأكيد، شأنه في ذلك شأن "القوة الناعمة" التي كانت تستمدها سابقا من كونها نموذجا للديمقراطية يحاكيه آخرون. ومن ناحية أخرى، من المرجح أن يؤدي افتقار ترامب إلى الدراية اللازمة إلى تشجيع خصوم الولايات المتحدة التقليديين، مثل روسيا وسوريا وكوريا الشمالية.

احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، أي أن ترامب سيكون قادرا على الوفاء بوعوده بإلغاء أكبر إنجازات أوباما التشريعية، بدءا بقانون الرعاية الميسرة (أوباما كير). ولكن هذا سوف يكون اختبارا مثيرا للاهتمام. فكيف قد يتعامل ترامب مع ردة الفعل السلبية القوية عندما يبدأ الناس في خسارة تأمينهم الصحي؟

وسوف يحاول ترامب والجمهوريون في الكونجرس أيضا إلغاء تشريعات دود-فرانك المالية التي جرى استنانها بعد أزمة 2008 المالية، وبالتالي إطلاق العنان للبنوك وغيرها من المؤسسات المالية. وخارج وال ستريت، سوف يحاولون تقليص تنظيمات مكافحة الاحتكار والتنظيمات البيئية، وخاصة تلك التي تحد من انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي.

وأخيرا، سوف يرشح ترامب قضاة المحكمة العليا، التي ظل أحد مقاعدها شاغرا منذ وفاة القاضي أنطونين سكاليا في فبراير/شباط.

ينبغي لنا أن نكون شاكرين مع ذلك لأن مقترحات ترامب الأكثر شراسة خلال الحملة الانتخابية لن تُستَن أبدا في الأرجح. فهو لن يبني جدارا جديدا "كبيرا جميلا" على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، ومن المؤكد أن المكسيك لن تدفع ثمن بنائه إذا فعل. وعلى نحو مماثل، لن يحظر ترامب دخول المهاجرين المسلمين، لأن هذا يعني انتهاك المبادئ الأميركية الأساسية، وسوف ترفض أي محكمة عليا مثل هذا الاقتراح حتى ولو كانت يمينية.

من غير المرجح أيضا أن يسعى ترامب إلى تنفيذ اقتراحه بترحيل 6 ملايين إلى 11 مليون مهاجر غير شرعي. ولكنه ربما ينهي قانون أوباما المعلق بشأن برامج الوافدين في سن الطفولة، والذي يقضي بمنح تصاريح عمل مؤقتة للعديد من "الحالمين" (الشباب الذين يفتقرون إلى أي وضع قانوني والذين نشأوا في الولايات المتحدة).

على نحو مماثل، قد لا يمزق ترامب فعليا اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وقد لا يرفع الرسوم الجمركية بشكل كبير. ولن يلغي منظمة حلف شمال الأطلسي، أو غير ذلك من التحالفات المهمة، أو اتفاقية جنيف (التي تجيز للمؤسسة العسكرية ووكالة الاستخبارات المركزية استخدام التعذيب). ورغم أن ترامب بدا خلال الحملة الانتخابية وكأنه يقترح القيام بكل هذه الأمور، فسوف يواجه حتما عواقب بعيدة المدى للقرارات التي قد تدمر النظام العالمي.

Fake news or real views Learn More

إن الولايات المتحدة توشك أن تشهد تجربة الحياة في ظل حكومة جمهورية بالكامل يقودها ملياردير شعبوي زئبقي. ولا نملك إلا أن نأمل أن ينجح الناخبون في تحميل إدارة ترامب وممكنيها في الكونجرس المسؤولية عن الانتكاسات التي سيعاني منها الأميركيون.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali