18

المسألة اليهودية الجديدة في أوروبا

نيويورك ــ في شهر مارس/آذار من عام 1936، كاد مجلس النواب البولندي ينجح في تجريم الذبح حسب الشريعة اليهودية. غير أن الدستور البولندي منع الحظر الصريح. ولو تمكن غالبية المشرعين من تحقيق مأربهم، فإن العديد من يهود بولندا، وعددهم آنذاك 3.2 مليون نسمة، كانوا ليحرموا من تناول اللحوم.

وقبل بضعة أيام، عادت أشباح الماضي إلى مجلس النواب البولندي، عندما رفض النواب مشروع قانون مقدم من الحكومة للحفاظ على الذبح الديني قانونيا. وحتى العديد من مؤيدي مشروع القانون (بما في ذلك رئيس الوزراء دونالد تاسك) لم يكن اهتمامهم منصباً على الدفاع عن حقوق الأقليات الدينية في المقام الأول، بل على حماية الوظائف في صناعة تعليب اللحوم.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

كان ذلك التصويت اعتداءً على حرية الدين في انتهاك صارخ للمادة 53 من الدستور البولندي، التي تنص على "ضمان حرية الضمير والدين للجميع" كما ينص على أن "أداء الشعائر" محمي بالقانون. وكان ذلك أيضاً بمثابة صفعة على وجه المجتمع اليهودي في بولندا، الذي كان جزءاً من المشهد الاجتماعي في البلاد لأكثر من ألف سنة، والذي شهد على الرغم من المحرقة نهضة ملحوظة على مدى العقدين الماضيين. والواقع أن بولندا بتراثها اليهودي الغني وتاريخها، كانت تعتبر من بين البيئات الأكثر خصباً لصحوة اليهود بعد سقوط الشيوعية.

ومع هذا فإن قرار مجلس النواب البولندي يثير التساؤل التالي: هل يريد البولنديون حقاً أن تعود الحياة اليهودية إلى بلادهم؟ أم أنهم ينظرون إلى التراث اليهودي في بولندا باعتباره شيئاً مفيداً للسياحة والصناعات الغذائية؟

ليس كل يهودي يلتزم بتعاليم دينه في ما يتصل بالطعام الشرعي الحلال، وبعض اليهود نباتيون. وبالتالي فإن ليس كل يهودي يعتمد على اللحم الحلال. ولكن كل اليهود تقريباً سوف يدافعون عن حق الآخرين في الحياة وفقاً للنظام الغذائي الموافق للشريعة اليهودية. إن الذبح وفقاً للشريعة اليهودية جزء لا غنى عنه وغير قابل للتفاوض من الحياة الدينية اليهودية.

اليوم، لا تزيد أعداد اليهود في بولندا عن بضعة آلاف. والجميع يعرفون السبب. وهذا من شأنه أن يجعل من السهل بالنسبة لساسة اليوم بطبيعة الحال أن يحظروا الذبح وفقاً للشريعة اليهودية. ومثل هذه التدابير الشعبوية وسيلة مضمونة للحصول على الأصوات. والواقع أن الحقوق المدنية للأقليات الدينية الصغيرة لا تشكل أهمية كبيرة على المستوى السياسي؛ أما حقوق الحيوانات (والدوافع الاقتصادية) فهي المهمة.

ولكن هل كان هذا القرار مدفوع حقاً بالحرص على رفاهة الحيوان؟ لا شك أن هذا صحيح بالنسبة لبعض النواب؛ ولكن غيرهم لم يكتشفوا حبهم للحيوانات إلا عندما بدا لهم أن هذا من شأنه أن يكسبهم المزيد من الشعبية. وكما ذكرت صحيفة الإيكونوميست بوضوح، فإن "بولندا ليست دولة نعرف عنها أنها نصيرة لحقوق الحيوان". والحق أنه من قبيل النفاق أن يكون الصيد عل�� سبيل الرياضة والذبح دون إشراف في المنازل من المسموح به، في حين لا يُسمَح بالذبح وفقاً للشريعة اليهودية رغم تنفيذه على أيدي أشخاص من ذوي الخبرة وفقاً لإجراءات راسخة.

في الأشهر الأخيرة، هاج الساسة البولنديون وماجوا بسبب "الذبح الشعائري". صحيح أن المصطلح يبدو عتيقا؛ ولكن التوراة هي أول تشريع منظم يحرم القسوة مع الحيوانات ويأمر بمعاملتها بالاعتبار والاحترام. وهؤلاء الذين يزعمون أن الذبح الشعائري "أجنبي" على الثقافة البولندية ليسوا جاهلين بتاريخ بلادهم فحسب؛ بل إنهم يستغلون أيضاً المشاعر المعادية للسامية ويشجعونها.

وبولندا ليست البلد الوحيد الذي يشهد تشكيكاً في الممارسات الدينية الراسخة. فمؤخراً دارت مناقشات محتدمة في بلدان غربية، مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا ونيوزيلندا، حول الذبح الديني والختان.

وقبل عام، أصدر قاض ألماني حماً بأن الختان الديني ممارسة قاسية تحدث أذى بدنياً بالأطفال الذكور، وهو بالتالي غير قانوني ــ وهي وجهة النظر التي أيدها العديد من المعلقين في وسائل الإعلام. ولكن الساسة الألمان بذلوا جهوداً حثيثة لإيجاد حل يستوعب مخاوف الأقليات اليهودية والمسلمة. وقد أظهروا زعامة حقيقية. وفي غضون أسابيع، اقترحت حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تشريعاً يضع الختان الديني على أساس قانوني متين، بدعم من أغلب أعضاء مجلس العموم الألماني.

وفي هولندا، تم التوقيع على ميثاق يسمح بالذبح الديني. وحصل هذا الميثاق على دعم المجلس التشريعي، الذي كان في وقت سابق مؤيداً للحظر.

على نحو مماثل، في بولندا، وفي أعقاب صدور حكم المحكمة الدستورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 والذي ألغى على أسس فنية نصاً يسمح بالذبح الديني، وعدت الحكومة بأن تظل الممارسة قانونية. ورغم هذا، فعندما صوت المشرعون على مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة في وقت سابق من هذا الشهر، بعد مناقشة في وسائل الأعلام بلغت حد الهستيريا في بعض الأحيان بشأن الذبح الشعائري، سارع ثلاثون من النواب المنتمين إلى معسكر تاسك المدني، الذي يشكل الفصيل الأكبر في مجلس النواب البولندي، إلى رفضه.

وباتخاذ هذه الخطوة، أصبحت بولندا زعيمة أولئك في أوروبا الذين يريدون حرمان المواطنين اليهود من حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية. وإذا لم تتوقف مثل هذه التدابير فإن وجود اليهود في القارة سوف يصبح موضع تساؤل في الأمد البعيد. ومع هذا فإن تاسك استبعد التراجع عن الحظر، وطلب أحد وزرائه من الجاليات اليهودية والمسلمة أن تطعن في الحظر أمام المحكمة الدستورية.

كانت العلاقة بين بلدان وسط وشرق أوروبا والشعب اليهودي تتسم دوماً بكل من الانتصار والمأساة. وفي الأعوام الأخيرة اكتسبت هذه العلاقة بعض القوة، وخاصة في بولندا. كما حدثت تطورات مشجعة، مثل إنشاء متحف يهودي على أحدث طراز في مدينة وارسو.

وقبل بضعة أشهر، شاركت في مسيرة "الحياة في أوشفيتز"، والتي حضرها العديد من اليهود من أصول أوروبية الذين يعيشون الآن في أميركا وإسرائيل. وكالعادة، كانت تجربة حلوة مريرة. ومن جانبي، حاولت لسنوات عديدة تسليط الضوء على الجانب الحلو.

غير أنني الآن أتساءل: هل تتمكن النهضة اليهودية في قلب أوروبا من الاستمرار بعد أن تُعلَن عناصر أساسية للحياة اليهودية بوصفها غير قانونية؟ أم أن زعماء أوروبا سوف يدعمون الحقوق المدنية لمواطنيهم اليهود؟

Fake news or real views Learn More

كما لاحظ مؤخراً بنحاس جولدشميت، رئيس مؤتمر حاخامات أوروبا، فإن المرء من غير الممكن أن يشعر بالفخر بيهود الأمس ثم يخبر يهود اليوم بأن ممارساتهم الدينية لم تعد موضع ترحيب. إن التراث اليهودي جزء من تراث أوروبا. ولابد من حمايته وليس تقييده.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali