0

ثورة أصحاب الجدارة

باريس ـ جاء إنقاذ النظام المالي في لحظة غريبة من تاريخ الاقتصاد، ذلك أن عملية الإنقاذ أفادت أولئك الذين حققوا القدر الأعظم من الاستفادة من الوفرة الطائشة التي عاشتها الأسواق طيلة أعوام ـ رؤساء الشركات المالية. إلا أن عملية إعادة توزيع الثروة قبل الأزمة (وأموال العائدات الضريبية والضمان الاجتماعي التي جعلت ذلك ممكناً) كانت تشكل العقبة الأضخم أمام تحقيق الكفاية الاقتصادية والواقع أن قيم التضامن أفسحت الطريق أمام قيم "الجدارة" الفردية المستندة إلى حجم دخل أي شخص أو راتبه.

وتكمن المفارقة هنا في أن جزءاً من هذا التطور قد يكون راجعاً إلى عاملين إيجابيين: العمل البطيء للديمقراطية، والذي يعمل على تحرير الأفراد ولكنه يجعلهم في الوقت نفسه أكثر انعزالاً؛ وتطور نظام الرعاية الاجتماعية الذي يتقاسم المخاطرة مع الأفراد ويجعلهم أكثر استقلالاً. وفي ظل هذه العزلة وهذا الاستقلال أصبح الناس يميلون على نحو متزايد إلى اعتقاد مفاده أنهم وحدهم المسؤولون عن مصائرهم.

وهنا تكمن المعضلة. ذلك أن حرية الفرد واستقلاله يرجعان في الأساس إلى القرارات الجمعية التي تم التوصل إليها من خلال الحوار الديمقراطي، وخاصة تلك القرارات التي تضمن لكل شخص القدرة على الوصول إلى المنافع العامة مثل التعليم والرعاية الصحية، وما إلى ذلك. وقد يظل الأمر مشتملاً على حسٍ بالتضامن الاجتماعي، ولكن هذا الحس مجرد إلى الحد الذي يجعل هؤلاء الذين تدور عجلة الحظ لصالحهم لا يشعرون بالجميل إلا قليلاً. فهم يعتقدون أنهم مدينون بما وصلوا إليه من مكانة إلى الجدارة البحتة، وليس إلى الجهود الجمعية ـ المدارس والجامعات التي تمولها الدولة، إلى آخر ذلك ـ التي مكنتهم من تحقيق إمكانياتهم.

حين تقاس الجدارة بالمال، فإن حجم الدخل الفردي يصبح بلا حدود. فإن كنت أكسب عشرة أو مائة أو ألف ضعف ما تكسبه، فذلك راجع إلى استحقاقي لعشرة أو مائة أو ألف ضعف ما تكسبه أنت.