24

هل يجب أن نكرم العنصريين؟

برينستون- أثناء إنشغالي بتدريس مادة الأخلاقيات العملية في الشهر الماضي ،قرر بعض الطلاب ان يغادروا قاعة التدريس حيث إنضموا الى مئات من المحتجين بقيادة رابطة العدالة السوداء. إن الرابطة هي إحدى المجموعات الطلابية الكثيرة والتي ظهرت في طول الولايات المتحدة الأمريكية وعرضها ردا على قتل مايكل براون في فيرجسون ،ميسوري في اغسطس 2014 وما تلا ذلك من قتل لإمريكيين غير مسلحين ينتمون لإصول أفريقية على أيدي الشرطة.

لقد أحتل أعضاء من رابطة العدالة السوداء في وقت لاحق من ذلك اليوم مكتب رئيس جامعة برينستون كريستوفر ايسجروبر وتعهدوا بعدم ترك المكان حتى تلبية مطالبهم . لقد شملت تلك المطالب أن يخضع الموظفين من الأكاديميين وغير الأكاديميين إلى "تدريب على الكفاءة الثقافية"

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وبإن يتلقىالطلاب دروسا في تاريخ الناس المهمشين بالإضافة الى توفير " مساحة للتقارب الثقافي" في الحرم الجامعي مخصصة على وجه التحديد لثقافة الأمريكان من أصول إفريقية.

إن المطالبة التي حظيت بالإهتمام على مستوى البلاد هي إعادة تسمية كلية ودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية وإحدى كلياتها الفرعية وهي كلية ويلسون .يوجد في قاعة الطعام في الكلية صورة جدارية ضخمة لويلسون حيث تطالب رابطة العدالة السوداء بإزالتها وطبقا للرابطة فإن تكريم ويلسون هو إهانة للطلاب الإمريكيين من أصول إفريقية وذلك نظرا لأن ويلسون كان عنصريا.

لقد كان ويلسون تقدميا في الشؤون المحلية ومثاليا في السياسة الخارجية فلقد أجازت إدارته قوانين ضد عمالة الأطفال ومنحت حقوقا جديدة للعمال بالإضافة الى إصلاح القوانين المصرفية ومواجهة الإحتكارات وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى أصر ويلسون على وجوب ان تسترشد السياسة الخارجية بالقيم الأخلاقية كما دعم الديمقراطية وحق تقرير المصير للشعوب في أوروبا.

لكن سياساته بالنسبة للإمريكيين من أصول أفريقية كانت رجعية ففي سنة 1913 عندما اصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ورث حكومة فيدرالية وظفت العديد من الامريكيين من أصول أفريقية وبعضهم عمل الى جانب البيض في وظائف إدارية متوسطة ولكن تحت إدارته تم إعادة فرض أماكن العمل والحمامات المنفصلة والتي تم الغاؤها بعد نهاية الحرب الأهلية كما تم تنزيل رتب الأمريكيين من أصول أفريقية ووضعهم في وظائف وضيعة وعندما أحتج وفد من الأمريكيين من أصول أفريقية أخبرهم أنه يتوجب عليهم النظر الى هذا الفصل العنصري على أنه مفيد.

إن إسم ويلسون يحتل مكانة بارزة في برينستون ليس فقط لأنه أحد أشهر خريجي تلك الجامعة (والخريج الوحيد الحائز على جائزة نوبل للسلام ) بل أيضا لإنه قبل أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية كان أيضا رئيسالجامعة برينستون وكما قالت آن ماري سلاتر وهي عميدة سابقة لكلية ودرو ويلسون فإن ويلسون هو الشخص "الذي ربما عمل أكثر من أي شخص آخر من أجل تحويل برينستون من كلية تشبه المدارس الخاصةللرجال الأغنياء الى جامعة بحثية عظيمة".

إن ويلسون مشهور على نطاق العالم بالنقاط الأربع عشرة والتي أقترحها كأساس لمعاهدة السلام من أجل إنهاء الحرب العالمية الأولى. لقد دعى ويلسون إلى الحكم الذاتي لشعوب الإمبرطورية النمساوية-الهنجارية والإمبرطورية العثمانية بالإضافة الى دولة بولندية مستقلة وعليه لا عجب أنه يوجد في وارسو ميدان ويلسون كما تمت تسمية محطة القطارات الرئيسة في براغ بإسمه ويوجد شوارع تحمل أسمه في كل من براغ وبراتيسلافا.

إن من بين النقاط الأربع عشرة الأخرى دعوات لمواثيق مفتوحة- لا توجد معاهدات سرية تتآمر من أجل تقاسم مناطق دول أخرى لفترة ما بعد الحرب- وتخفيض الحواجز التجارية وربما كانت النقطة الأكثر  مصيرية هي الإقتراح بتشكيل " رابطة عامة للشعوب لغايات منح ضمانات متبادلة تتعلق بالإستقلال السياسي وسلامة أراضي الدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء".

لقد أدت هذه الدعوة إلى إنشاء عصبة الأمم والتي حلت مكانها الأمم المتحدة علما إن مقر عصبة الأمم من سنة 1920وحتى سنة 1936 كان في قصر ويلسون في جنيف وما يزال المبنى يحتفظ بإسمه وهو الآن مقر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الأنسان .

إن التاريخ مليء بقصص أناس لديهم عيوب كبيرة ولكنهم عملوا أشياء عظيمة وفي الولايات المتحدة الأمريكية علينا أن ننظر إلى قصص الأباء المؤسسين واوائل الرؤساء مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وجيمس ماديسون والذين كانوا يمتلكون العبيد . إن من الممكن أن ندافع عنهم بالقول إنه على النقيض من ويلسون فهم لم يكونوا على أقل تقدير اسوأ من المقاييس السائدة في ذلك الزمان ولكن هل هذه أسباب كافية للإستمرار في الاحتفاء بذكراهم ؟

هناك مجلس إدارة مدرسية في نيو اورليانز لم يؤمن بهذا الطرحفبعد أن تبنى قرار بعدم إطلاق أي من أسماء ملاك العبيد على أية مدرسة،قرر المجلس أيضا إعادة تسمية مدرسة جورج واشنطن الإبتدائية وأطلق على المدرسة إسم جراح أمريكي من أصول أفريقية ناضل من اجل عدم الفصل فيما يتعلق بنقل الدم. إذن هل يتوجب علينا إعادة النظر في إسم عاصمة البلاد كذلك ؟

لقد وصف أجيوم وينغو في كتابه " السياسات الحاجبة في الدول الديمقراطية الليبرالية" كيف إن "الحجاب السياسي"يتستر على التفاصيل التاريخية للنظام السياسي مما يخلق وجه مثالي والكلام نفسه ينطبق على القادة السياسيين العظماء وغير العظماء والذين أصبحوا وسائل رمزية من أجل غرس الفضائل المدنية .

ولكن بينما تتحول معاييرنا الأخلاقية فإن الخصائص المختلفة للشخص التاريخي تصبح أكثر صلة والرمز يمكن أن يطور معنى مختلف. عندما تم إضافة إسم ويلسون الى كلية برينستون للشؤون العامة والدولية سنة 1948كانت هناك سبع سنوات ما تزال تفصلنا عن رحلة الباص الشهيرة لروزا باركس سنة 1955 ولم يكن الفصل العنصري في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية يواجه تحديات خطيرة والآن فلقد أصبح مثل هذا الفصل غير وارد على الإطلاق وعليه تصبح عنصرية ويلسون أكثر بروزا بحيث لم يعد يمثل القيم المهمة لجامعة برينستون اليوم .

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

يجب عدم إزالة مساهمات ويلسون في الجامعة والولايات المتحدة الأمريكية والعالم من التاريخ حيث يتوجب عوضا عن ذلك الإقرار بها بطريقة تخلق حوارا وإن كان فيه إختلافات يتعلق بالقيم المتغيرة بحيث يشمل ذلك الحوار مساهماته الإيجابية ومساهماته لسياسات وممارسات أمريكا العنصرية.

أما في برينستون فإن إحدى نتائج ذلك الحوار هو تثقيف الطلاب والمدرسين والذين ربما لم يكونوا على دراية بتعقيدات شخصية مهمة في تاريخ الجامعة ( أنا بالتأكيد إستفدت : لقد قمت بالتدريس في برينستون لمدة 16 سنة ولقد أعجبت بمواقف ويلسون في السياسة الخارجية لفترة أطول ولكني أدين بفضل معرفتي بعنصرية ويلسون الى رابطة العدالة السوداء.) وربما تكون نتيجة ذلك الحوار الذي ينبغي علينا المشاركة به هو الإقرار بإن إطلاق إسم ويلسون على كلية أو مدرسة يبعث برسالة تشوه القيم التي تمثلها تلك المؤسسة.