The price of Euro and US dollars Daniel Leal Olivas/Getty Images

إحياء تسوية الدائنين

لندن ــ في ظل كل هذه الأحاديث الصادرة عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول تدابير الحماية، كان من المستغرب أن أحدا لم يذكر الأداة الواضحة لمعالجة اختلالات التوازن الخارجية المستمرة: "فقرة العملة النادرة" في اتفاق بريتون وودز لعام 1944.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

تسمح هذه الفقرة الواردة في المادة السابعة من الاتفاق للدول "بفرض قيود مؤقتة على عمليات التداول الحر للعملة النادرة، بعد التشاور مع صندوق النقد الدولي"، وهي تمنح هذه الدول "الولاية الكاملة في تحديد طبيعة هذه القيود". وتعتبر عملة أي دولة نادرة في سوق الصرف الأجنبي إذا كانت وارداتها أكثر من صادراتها ــ أي إذا كانت تدير عجزا في الحساب الجاري.

وفقرة العملة النادرة لها تاريخ مثير للاهتمام. ففي خطته الأصلية لبنك المقاصة الدولي، اقترح رجل الاقتصاد البريطاني جون ماينارد كينز نطاقا متصاعدا للعقوبات ضد الدول الأعضاء التي تحافظ على أرصدة دائنة مستمرة (وعقوبات أقل مشقة على الدول التي تحافظ على أرصدة مدينة مستمرة). وكانت الفكرة تتلخص في الضغط على الدول لحملها على خفض فوائض حساباتها الجارية. ولم تكن دول الفائض لتُمنَع من إنفاق أموالها بحرية، ولكن كانت لتمنع من اكتنازها وتكديسها.

كان من المفهوم أن ترفض الولايات المتحدة، التي كانت أكبر دولة دائنة في العالَم في ذلك الوقت، اقتراح كينز. ونتيجة لهذا، تُرِك للولايات المتحدة توفير المساعدة المالية القصيرة الأمد لدول العجز، والتمسك بالمبدأ القويم المتمثل في تسوية المدين. ولكن لتهدئة البريطانيين، قرر هاري دكستر وايت، مسؤول وزارة الخزانة الأميركية، الذي يُذكَر الآن باعتباره مهندس اتفاق بريتون وودز، إدراج المادة السابعة للسماح للدول الأعضاء المحرومة من الدولار بتقييد مشترياتها من السلع الأميركية.

ومنذ ذلك الحين، ظلت فقرة العملة النادرة حبرا على ورق. في السنوات الأولى بعد الحرب، عملت الولايات المتحدة على سد فجوات الحساب الجاري لدى الدول الأوروبية بالاستعانة بأموال خطة مارشال. وبحلول أوائل سبعينيات القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة ذاتها تدير عجزا تجاريا، وكان المعروض من الدولار زائدا عن الحاجة. وذهب الكونجرس الأميركي إلى حث صندوق النقد الدولي على استحضار فقرة العملة النادرة ضد دول الفائض "المتمردة"، ولكن جهوده باءت بالفشل. وكما أشار المؤرخ هارولد جيمس من جامعة برينستون، تبدلت الأحوال: فقد تقبلت الولايات المتحدة حجج كينز، ولكن الدول الأوروبية الدائنة، ومعها اليابان، قاومتها بنجاح.

والآن ننتقل إلى الحاضر بسرعة. من بين أكبر أربعة اقتصادات على مستوى العالم، تعاني الولايات المتحدة فقط من ضعف القدرة التنافسية على نحو مستمر. وعلى النقيض من هذا، تتمتع الصين واليابان وألمانيا بقدرة تنافسية فائقة. ولأن الصين كانت على استعداد، لأسباب خاصة بها، لتمويل العجز الأميركي، فيبدو أن الدولار والرنمينبي أصبحا الآن عالقين في مواقف منحرفة.

ولتصحيح هذا الوضع، يقترح رجل الاقتصاد فلاديمير ماسك أن تلاحق الولايات المتحدة خطة "التجارة الحرة المعوضة"، والتي تعادل أساسا تفعيل فقرة العملة النادرة من جانب واحد. وبموجب هذه الخطة تحدد إدارة ترمب سقفا للعجز التجاري الأميركي كل عام، ثم تفرض القيود على الفوائض لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة. وهذا من شأنه أن يؤثر بشكل كبير على الصين واليابان وألمانيا والمكسيك، والتي بلغت مساهماتها 347 مليار دولار، و69 مليار دولار، و65 مليار دولار، و64 مليار دولار على التوالي، في العجز التجاري الأميركي الذي بلغ 737 مليار دولار في عام 2016.

وبموجب خطة التجارة الحرة المعوضة التي اقترحها ماسك، يرجع الأمر إلى كل دولة من دول الفائض في الحد من صادراتها إلى الولايات المتحدة. ولا يجوز لأي دولة أن تتجاوز حصص صادراتها إلا إذا دفعت غرامة تساوي الفارق بين قيمة صادراتها الفعلية والمسموح بها. وإذا حاولت تصدير أكثر من المسموح به دون دفع الغرامة، فإنها تُعاقَب بحظر صادراتها الفائضة.

المشكلة في هذه الخطة هي أنها لا تفرض أي ضغوط على ألمانيا لحملها على الحد من فوائضها مع دول منطقة اليورو. من المؤكد أن الاتحاد الأوروبي أسس بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إجراء اختلال توازن الاقتصاد الكلي لفرض غرامة على دول منطقة اليورو التي تتجاوز فوائضها 6% من الناتج المحلي الإجمالي أو يتجاوز عجزها 4% من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هذا الإجراء، حتى وإن كان يستلهم روح اقتراح كينز لإنشاء اتحاد دولي للمقاصة، فإنه يفتقر إلى آليتين أساسيتين.

فأولا، كانت خطة كينز لتفرض تلقائيا العقوبات على الدائنين الدائمين، في حين اثبت إطار الاتحاد الأوروبي عجزه عن القيام بذلك. فقد أدارت ألمانيا فائضا يتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من عشر سنوات وأفلتت من العقاب. ورغم أن فائضها في مقابل منطقة اليورو تقلص مؤخرا إلى أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن هذا يعكس إلى حد كبير انخفاض واردات دول البحر الأبيض المتوسط الفقيرة من السلع الألمانية. وإذا تعافت اقتصادات هذه الدول وعادت إلى الاقتراب من مستوى التشغيل الكامل للعمالة، فمن المرجح أن يعاود الفائض الألماني الارتفاع.

ويتلخص الخلل الثاني الذي يعيب إجراء اختلال توازن الاقتصاد الكلي في افتقاره إلى تدابير حماية الحذف لصالح المدينين والتي تقدمها لهم فقرة العملة النادرة. ففي غياب القدرة على خفض قيمة العملة، يتمثل الملجأ الوحيد للمدينين الدائمين في منطقة اليورو في التهديد بترك العملة الموحدة. ولكن كما أظهرت الأزمة اليونانية، فإن هذا ليس تهديدا ذا مصداقية. والنتيجة هي أن يظل اختلال التوازن بين الدائنين والمدينين قائما.

تتمثل إحدى الطرق الكفيلة بإزالة اختلالات التوازن الحالية في تكييف آلية بريتون وودز، حيث تساهم كل دولة في منطقة اليورو في صندوق النقد الأوروبي بما يتناسب مع دخلها الوطني ومستواها التجاري. وسوف يكون للصندوق فقرته الخاصة بالعملة النادرة، مما يسمح للدول الأعضاء بالتمييز ضد الواردات من الدول الدائنة.

في كلمته المستفيضة التي ألقاها في جامعة السوربون الشهر الماضي، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إنشاء صندوق نقد أوروبي، غير أنه لم يوضح تفاصيل تصوره. الواقع أن الآلية التي تسمح بالتمييز التجاري من المحتمل أن تنتهك مبادئ التجارة الحرة في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فإن التكامل الاقتصادي كان يعتمد دوما على درجة ما من تسوية الدائنين. ففي غيابها، ينهار نظام التجارة الحرة في نهاية المطاف. ويستطيع أنصار الحدود المفتوحة أن يدفعوا الآن، وإلا فإنهم سوف يدفعون حتما في وقت لاحق.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/sDzVNN3/ar;
  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now