Africa scientists -:AFP:Getty Images Africa science

طريق البحث والتطوير إلى التنمية

بيركلي ــ عندما تحدث المجاعة، تتدخل الحكومات والجهات المانحة الدولية بتقديم المساعدات المنقذة للحياة. وتقدم الدول الغنية أكثر من 130 مليار دولار أميركي كل عام ليس فقط لإطعام المتضورين جوعا، بل وأيضا لتشييد البنية الأساسية البالغة الأهمية وتضيق الفجوات في القدرة على الوصول إلى التعليم، والرعاية الصحية، والمياه النظيفة والصرف الصحي في مختلف أنحاء العالَم.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

وكل هذا شديد الأهمية. ولكن أحد الاستثمارات الأكثر قوة التي يستطيع مجتمع التنمية أن يقوم بها ليس في مشاكل اليوم، بل في البحوث التي ستعالج تحديات الغد.

لقد تبين أن كل دولار يُنفَق على البحث والتطوير يحقق على نحو ثابت بعضا من أعلى الفوائد الاجتماعية المترتبة على أي شكل من أشكال التدخل في السياسات. ويجنبنا المزيد من الإنفاق على البحث والتطوير العديد من المخاوف المعتادة التي تعبر عنها الدول المانحة حول "تمويل الفساد". وهناك فجوات كبيرة في القاعدة المعرفية تستطيع البحوث أن تسدها. ويتطلب هذا رسم مناطق جديدة خارج المواضيع البحثية الشعبية مثل الطاقة البديلة واللقاحات.

ولنتأمل هنا قضية الجوع. لا شك أن المانحين لابد أن يستمروا في توفير شبكة أمان للدول الهشة. ولكننا في احتياج إلى نظرة أطول أجلا، نظرة تتطلع إلى ما وراء أزمة اليوم أو عناوين الغد الرئيسية.

وتبين بحوث أجريت لصالح مركز إجماع كوبنهاجن، وهو المركز البحثي الذي أتولى إدارته، أن استثمار أقل من 88 مليار دولار أميركي على مشاريع البحث والتطوير الزراعية في مختلف أنحاء العالم من الآن إلى عام 2050 من شأنه أن يزيد غلة المحاصيل في كل مكان بنحو 0.4 إضافية من النقطة المئوية سنويا. ومن شأن المحاصيل الوفيرة وأسعار المواد الغذائية المنخفضة نتيجة لهذا أن تنقذ 79 مليون إنسان من الجوع. وسوف تعادل الفوائد مجتمعة نحو 3 تريليون دولار. أي أن كل دولار يُنفَق على البحث من شأنه أن يولد عائدا قدره 34 دولارا.

هناك مجالات أخرى حيث تستطيع الجهات المانحة الكبرى أن تُحدِث فارقا كبيرا. وقد درس مركز إجماع كوبنهاجن أفضل فرص البحث والتطوير، وتنطوي النتائج التي توصل إليها والتي نشرها المركز البحثي البريطاني لتبادل السياسات للتو على أهمية شديدة ليس فقط للمملكة المتحدة، التي أنفقت منذ عام 1995 ما لا يتجاوز 0.9% من مساعداتها على مشاريع البحث والتطوير، بل وكل دولة مانحة أيضا.

لقد عملنا مع 32 من أفضل الأكاديميين العالميين والخبراء في الموضوع لتحديد ما يقرب من 100 من الأفكار البحثية الكفيلة بالتعجيل بتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فضلا عن 40 مشروعا يمكن حساب التقدير الأولي لفوائدها وتكاليفها المحتملة. ونعتقد أن عشرة من هذه المشاريع تستحق أن تكون على رأس أجندة التنمية.

تتلخص إحدى هذه الأفكار في البحث في مواقد الطهي الأنظف. يُعَد تلوث الهواء في الأماكن المغلقة نتيجة للطهي والتدفئة واحدا من أكبر أسباب الوفاة في العالَم: ففي عام 2015 وحده، قتل تلوث الهواء 2.9 مليون شخص، وتقدر التكاليف السنوية المترتبة على التأثيرات الصحية بنحو 333 مليار دولار. وإنفاق 25 مليون دولار فقط سنويا لابتكار مواقد أكثر ملاءمة لعادات الطهي المنزلية، وتحديد كيفية تعظيم تبني حلول الطهي الأنظف على نطاق المجتمع بالكامل، من المرجح أن يعمل على تحسين استيعاب المواقد النظيفة بنحو 10% إلى 20%. ويشير هذا إلى إمكانية إنقاذ حياة ما يقرب من 60 ألف إلى 120 ألف شخص سنويا. وقد تعادل الفوائد نحو 250 إلى 500 ضعف التكاليف.

يشكل عنف الأزواج قضية أخرى تتطلب إنفاقا كبير على تنمية البحث والتطوير. ففي كل عام تقع أكثر من 300 مليون امرأة ضحية للعنف المنزلي، وتبلغ التكاليف السنوية 4.4 تريليون دولار. وهو رقم مذهل.

يستلزم حل هذه القضية التركيز بشكل خاص على العمل مع الدول الأفريقية، حيث معدل انتشار العنف هو الأعلى في العالم وحيث الموارد المتاحة للحكومات لمعالجة هذه المشكلة ضئيلة. وتقدر تكاليف البحث في هذا المجال بنحو 100 مليون دولار سنويا ــ وهو مبلغ كبير، ولكن يبرره مدى تعقيد هذا التحدي وحجمه الهائل.

تشير أدلة ناشئة إلى أن تعليم المراهقين ربما يكون فعّالا في الحد من العبء المترتب على عنف الشريك الحميم، ومن الأهمية بمكان إخضاع هذا النهج وغيره للاختبار في سياقات مختلفة. وتشير تقديراتنا البحثية إلى أن الفوائد المترتبة على القيام بهذا ربما تعادل 45 إلى 450 دولارا عن كل دولار يُنفَق.

تتمثل فكرة ثالثة في البحث عن علاجات أيسر تكلفة لداء الربو. الواقع أن الربو خاضع للسيطرة إلى حد كبير في الدول المتقدمة، ولكن أجهزة الاستنشاق تظل باهظة الثمن وغير متاحة عموما للفقراء. وربما يساعد مبلغ بسيط نسبيا (10 مليون دولار) في توليد تقدم خارق لصالح الملايين من البشر، وربما تعادل الفوائد المترتبة على ذلك نحو 600 دولار لكل دولار يُنفَق.

وفي حالة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة، كان التركيز على الوقاية من المرض قبل التعرض له وعلى تطوير اللقاح. ولكن إحدى المناطق التي لم تُستَكشَف بالقدر الكافي بعد تتلخص في تطوير وسيلة أرخص للرصد المنزلي وتسليم الأدوية للأشخاص الحاملين للفيروس. وهذا من شأنه أن يقلل من الحاجة إلى الزيارات الطبية المنتظمة وتكرار وصفات العلاج، وبالتالي تمكين تحسن الإدارة الذاتية وارتفاع معدلات الالتزام بالعلاج. وإنفاق 10 مليون دولار فقط سنويا من شأنه أن يولد فوائد تعادل أكثر من عشرين ضعف التكاليف.

وبالمثل فإن إنفاق ما لا يتجاوز 10 ملايين دولار سنويا على البحث في تطوير وسائل طويلة الأجل ويمكن عكسها لمنع الحمل، كفيل بتحويل حياة الملايين من البشر، من خلال توفير السيطرة المعززة على الإنجاب، وفي الوقت نفسه تمكين النساء، وتعزيز المشاركة في سوق العمل، وتحسين الصحة. ومن الناحية الاقتصادية، ربما تعادل الفوائد أكثر من 3 مليار دولار سنويا.

أما الأفكار العشرة الأخرى التي أنتجها باحثونا فهي: توسيع إمكانات الري في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا؛ وتطوير "أقراص متعددة" قابلة للتسويق لعلاج ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية؛ والبحث لإيجاد سبل لفرض ضرائب ناجحة على التبغ في الدول النامية؛ وإدارة بحوث إجرائية ــ وهو نمط خاص من البحث يتضمن مستوى مرتفعا من المشاركة بين الباحثين والممارسين؛ وتحسين قدرة سلطات الجمارك على تحديد المعاملات غير المشروعة.

أثبتت البحوث السابقة التي أجرها مركز إجماع كوبنهاجن، على المستويين الدولي والوطني، أن مشاريع البحث والتطوير قد تشكل استثمارا جيدا إلى حد غير عادي للجهات المانحة للمعونة. والواقع أن الحجة لصالح ترتيب أولويات مثل هذه الاستثمارات ليست أقل قوة أو إقناعا.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/0vUQ5ZS/ar;

Handpicked to read next