6

الصحة العامة في مقابل الحرية الشخصية؟

برينستون ــ في قراران متناقضان صدرا في الشهر الماضي، قضت محكمة الاستئناف في الولايات المتحدة بإبطال شرط فرضته وزارة الأغذية والدواء الأميركية بعدم بيع السجائر إلا إذا كانت عبواتها تحمل تحذيرات صحية مرسومة، في حين قضت أعلى محكمة في أستراليا بتأييد قانون يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فالقانون الأسترالي لا يشترط وضع تحذيرات صحية وصور للأضرار البدنية التي قد يسببها التدخين فحسب، بل إنه يشترط أيضاً أن تكون العبوات بسيطة، وأن تحمل الأسماء التجارية بحروف مطبعية صغيرة، وبلا شعارات، أو أي ألوان أخرى غير لون بني زيتوني باهت.

واستند القرار الأميركي إلى حرية التعبير التي كفلها دستور الولايات المتحدة. فقد قبلت المحكمة حق الحكومة في المطالبة بوضع تحذيرات صحية دقيقة، ولكن الأغلبية أكدت في قرار منقسم أنها لا تستطيع أن تذهب إلى حد المطالبة بوضع صور. أما في أستراليا فإن القضية كانت ما إذا كان القانون يفرض ضمناً مصادرة حق ما بلا تعويض ــ وفي حالتنا هذه، لحقوق الملكية الفكرية لشركات التبغ فيم يتصل بعلاماتها التجارية. ولقد قضت المحكمة العليا بأن القانون لم يفرض ذلك.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ولكن وراء هذه الاختلافات تكمن قضية أكبر: فمَن مِن حقه أن يقرر التوازن السليم بين الصحة العامة وحرية التعبير؟ في الولايات المتحدة، أصدرت المحاكم ذلك القرار في الأساس من خلال تفسير نص يرجع تاريخه إلى ما قبل 225 عاما، وإ��ا كان هذا يعني حرمان الحكومة من بعض التقنيات التي قد تقلل من أعداد الموتى بسبب التدخين ــ والتي تقدر حالياً بنحو 443 ألف أميركي سنويا ــ فليكن. وفي أستراليا، حيث لا يكفل الدستور لحرية التعبير حماية صريحة، فإن المحاكم أكثر ميلاً إلى احترام حق الحكومات المنتخبة ديمقراطياً في إيجاد التوازن السليم.

وهناك اتفاق واسع النطاق على أن الحكومات يتوجب عليها أن تحظر بيع بعض المنتجات الخطرة على الأقل. وهناك عدد لا يحصى من الإضافات الغذائية المحظورة أو المسموح بها فقط بكميات محدودة، مثل لعب الأطفال المطلية بمواد قد تكون ضارة إذا ابتلعت. فقد حظرت مدينة نيويورك استخدام الدهون غير المشبعة في المطاعم، والآن تعمل على تحديد حجم الحصة المسموح بها من المشروبات السكرية. كما حظرت دول كثيرة بيع أدوات غير آمنة، مثل المناشير الكهربائية، من دون وسائل الأمان المرتبطة بها.

وعلى الرغم من وجود حجج لحظر مجموعة متنوعة من المنتجات الخطرة المختلفة، فإن السجائر تشكل حالة فريدة من نوعها، فلا يوجد أي منتج آخر، قانوني أو غير قانوني، يقترب من قتل نفس العدد الذي تقتله السجائر من الناس ــ أكثر من ضحايا الحوادث المرورية والملاريا والايدز مجتمعة. والسجائر أيضاً مسببة للإدمان. فضلاً عن ذلك، فحيثما يتحمل الجميع تكاليف الرعاية الصحية ــ بما في ذلك الولايات المتحدة من خلال برامج الرعاية الصحية العامة للفقراء والمسنين ــ فإن الجميع يتحملون تكاليف الجهود الرامية إلى علاج الأمراض الناجمة عن التدخين.

أما مسألة حظر السجائر بالكامل فهي قضية أخرى مختلفة تماما، لأن حظرها من شأنه أن يخلق بلا أدنى شك مصدر دخل جديداً للجريمة المنظمة. ومن العجيب رغم هذا أن نزعم أن الدولة من حقها من حيث المبدأ أن تحظر بيع منتج ما، ولكنها لا يجوز لها أن تسمح ببيعه فقط في عبوات تحمل صور تحذيرية من الأضرار التي قد يلحقها بصحة الإنسان.

والآن سوف تأخذ صناعة التبغ معركتها ضد التشريع الأسترالي إلى منظمة التجارة العالمية. وتخشى الصناعة أن ينتقل القانون إلى أسواق أكبر، مثل الهند والصين. فهناك تشتد الحاجة إلى مثل هذا التشريع على أية حال.

الواقع أن نحو 15% من الأستراليين و20% فقط من الأميركيين يدخنون، ولكن في 14 من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط التي غطتها دراسة المسح التي نشرت مؤخراً في مجلة "ذا لانسيت"، فإن 41% في المتوسط من الرجال يدخنون، مع عدد متزايد من الشابات اللاتي شرعن في ممارسة هذه العادة. وطبقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية فإن نحو مائة مليون شخص ماتوا بسبب التدخين في القرن العشرين، ولكن التدخين سوف يقتل نحو مليار شخص في القرن الحادي والعشرين.

تبدأ المناقشات حول المدى الذي قد تذهب إليه الدولة في تعزيز صحة سكانها عادة بمبدأ جون ستيوارت مِل في الحد من سلطة الدولة القسرية التي قد تسمح لها بالعمل على منع الأذى عن الآخرين. ولعل جون ستيوارت مِل كان ليتقبل شرط وضع التحذيرات الصحية على عبوات السجائر، بل وحتى وضع صور لأمراض الرئة إذا كان ذلك من شأنه أن يساعد الناس على تفهم الاختيار الذي يقدمون عليه؛ ولكنه كان ليرفض الحظر.

بيد أن جون ستيوارت مِل في دفاعه عن الحرية الفردية يفترض أن الأفراد هم أفضل حَكَم وحارس لمصالحهم الخاصة ــ وهي الفكرة التي تكاد تتسم بالسذاجة اليوم. والواقع أن تطور تقنيات الإعلان الحديثة يشكل فارقاً مهماً بين عصر جون ستيوارت مِل وعصرنا. فقد تعلمت الشركات كيف تبيعنا منتجات غير صحية من خلال مخاطبة رغباتنا غير الواعية في اكتساب المكانة والجاذبية والقبول الاجتماعي. ونتيجة لهذا فإننا نجد أنفسنا منجذبين إلى منتج ما من دون أن نعرف السبب. كما تعلمت شركات إنتاج السجائر كيف تتلاعب بخصائص منتجاتها لجعلها مسببة للإدمان إلى أقصى حد.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن الصور المعبرة عن الضرر الذي يسببه التدخين قد تخدم كَثِقَل موازن لأساليب مخاطبة الرغبات غير الواعية، وبالتالي تمكين الناس من اتخاذ القرار على أساس أكثر اطلاعا، سواء بالتدخين أو الإقلاع عن التدخين. لذا، فبدلاً من رفض مثل هذه القوانين باعتبارها مقيدة للحرية، يتعين علينا أن ندافع عنها بوصفها وسيلة لتمهيد أرض الملعب بين الأفراد والشركات العملاقة التي لا تدعي على أية حال أنها تخاطب قدرتنا على التفكير والتأمل. إن إلزام هذه الشركات ببيع السجائر في عبوات بسيطة تحمل تحذيرات صحية وصور معبرة يُعَد تشريعاً يحمي تكافؤ الفرص لصالح الكائنات العاقلة داخلنا.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel