4

إعادة النظر في مُلك الإنسان

برينستون ــ في الشهر الماضي، أطلق البابا فرانسيس منشوره التاريخي Laudatio Si، أو "الحمد لك". وقد اختار اسمه البابوي كما يشرح في النص لأنه يعتبر القديس فرانسيس الأسيزي "مثالاً للامتياز في رعاية للمستضعفين والبيئة المتكاملة التي عايشها في خدمة الناس ببهجة وصدق". وقد أظهر سميه أن الاهتمام بالطبيعة لا ينفصل عن العدالة من أجل الفقراء، والالتزام الاجتماعي، والسلام الداخلي.

ويشير عنوان المنشور إلى أنشودة الشمس، وهي الأغنية التي يمجد فيها فرانسيس الرب لكل خلقه ــ التعبير الرئيسي عن النظرة الكلية للبيئة في إطار تقاليد الكاثوليكية الرومية. غير أن تمجيد الأغنية لـ"الأخ شمس" و"الأخت قمر" بدا قريباً للغاية من عبادة الطبيعة التي شكك البعض في إمكانية إدراجها في التيار الرئيسي للفِكر الكاثوليكي.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

والآن أصبحت هذه الشكوك ذكرى من الماضي. فقد بدأ سلف فرانسيس، البابا بنديكتوس السادس عشر، في تحويل انتباه الكنيسة نحو الحاجة إلى الاستدامة البيئية. ثم حمل فرانسيس هذه العملية إلى مسافة أبعد كثيرا.

وقد حظي منشور فرانسيس بقدر كبير من الاهتمام الإعلامي، الذي ركز في الأغلب على دعوته الصلبة إلى التصدي لتغير المناخ. وهو أمر مناسب، لأنه من الأهمية بمكان إلى الحد الذي جعل زعيم الكاثوليك الرومان الذين يبلغ عددهم 1.2 مليار شخص يذكر بشكل قاطع أن الدراسات العلمية تعزو "أغلب الانحباس الحراري العالمي" في العقود الأخيرة إلى الغازات المسببة للانحباس الحراري "التي تنبعث في الأساسي نتيجة لأنشطة بشرية".

ولكن هناك رغم ذلك جانباً آخر من المنشور البابوي حظي بقدر أقل كثيراً من الاهتمام. كان القديس فرانسيس واحداً من أكثر القديسين الكاثوليك شعبية بسبب سمعته كصديق للحيوانات. وبما يتماشى مع هذا التقليد، فإن المنشور البابوي الأخير يرقى إلى كونه البيان الأكثر قوة ضد إلحاق الأذى بالحيوانات والذي صرح به أي بابا في وثيقة ذات حجية مثل المنشور البابوي.

الواقع أن التيار السائد للفكر المسيحي بشأن الحيوانات تمتد جذوره إلى سفر التكوين، الذي يذكر أن الرب منح الإنسان السيطرة على كل الحيوانات. وقد فسر القديس توما الإكويني هذه الآية على أنها تعني ضمناً أنه من غير المهم ببساطة كيف يتصرف الإنسان مع الحيوانات؛ فالسبب الوحيد الذي يجعل من الواجب علينا أن نمتنع عن التعامل بأي قدر من القسوة مع الحيوانات هو أن القيام بذلك قد يؤدي إلى القسوة في التعامل مع البشر.

وقد سعى قِلة من المفكرين المسيحيين إلى إعادة تفسير "الملك" باعتباره "القوامة"، مشيرين إلى أن الرب ائتمن الإنسانية على رعاية خلقه. ولكن هذا ظل رأي الأقلية، الذي يفضله حماة البيئة والحيوان، وظل تفسير الإكويني المبدأ الكاثوليكي السائد حتى أواخر القرن العشرين.

والآن يقف فرانسيس بحزم ضد الرأي السائد، قائلاً إن المسيحيين "فسروا في بعض الأحيان الكتاب المقدس بشكل غير صحيح"، ويصر على أننا "لابد أن نرفض بقوة فكرة أن خلقنا على هيئة الرب ومنحنا مُلك الأرض يبرر هيمنتنا المطلقة على غيرنا من المخلوقات". وهو يعلن أن "ملكنا" للكون لابد أن يكون مفهوماً "في إطار القوامة المسؤولة".

وعلى خلفية ما يقرب من 2000 سنة من الفِكر الكاثوليكي حول "مُلك الإنسان"، فإن هذا يمثل تغيراً ثوريا. ولكن المنشور يتضمن بياناً آخر ربما تكون تداعياته أبعد أثرا. وهذا البيان، الذي ظهر أصلاً في كتاب تعاليم الكنيسة الكاثوليكية الذي أصدره البابا يوحنا بول الثاني عام 1992، يعتبر أنه "مما يتعارض مع الكرامة الإنسانية أن نتسبب في معاناة الحيوانات أو موتها بلا ضرورة". ولضمان الانتباه إلى هذا الرأي، نشره فرانسيس في تغريدة على تويتر. (أجل، فرانسيس ينشر تغريدات، باستخدام الحساب على تويتر @Pontifex).

ولكن متى تكون المعاناة والموت "بلا ضرورة"؟ إذا كان بوسعك أن تغذي نفسك بشكل كاف من دون تناول اللحوم، أفلا يصبح شراء اللحوم بلا ضرورة سببا، أو على الأقل شريكاً في التسبب في موت حيوان؟ أليس شراء بيض الدجاجات التي عاشت حياة بائسة، فظلت طيلة حياتها محشورة مكدسة في أقفاص سلكية صغيرة، يتسبب بلا داع، أو يشارك كسبب في إلحاق الأذى بالحيوانات؟

قبل أن يصبح الكرادينال راتزينجر البابا بنديكتوس السادس عشر، أجرى مقابلة حيث أعرب عن أسفه الشديد وحزنه إزاء "الاستخدام الصناعي للمخلوقات" مثل الدجاجات التي تعيش "في أماكن ضيقة للغاية حتى أنها تصبح مجرد رسوم كاريكاتورية لطيور". ومن المؤسف أن المليارات من الدجاجات تجبر حتى الآن على العيش بهذه الطريقة؛ والواقع أن مملكة الإنسان عامرة بحيوانات تعاني بلا ضرورة.

ورغم أن دعاة حقوق الحيوان ناشدوا راتزينجر أن يكرر وجهات نظره بشأن الرفق بالحيوان بعد أن أصبح البابا، فإنه لم يفعل ذلك قط. وعلى النقيض من هذا، يبدو أن فرانسيس كان يشير إلى حيوانات المزارع الصناعية عندم تحدث في "بهجة الإنجيل" عن "الكائنات الضعيفة العاجزة عن الدفاع عن نفسها والتي تصبح بشكل متكرر تحت رحمة المصالح الاقتصادية أو الاستغلال العشوائي".

والآن، يقتبس البابا فرانسيس في منشوره الأخير فقرة من إنجيل لوقا، والتي يقول فيها يسوع عن الطيور: "وواحد منها ليس منسياً أمام الله". ثم يتساءل فرانسيس: "كيف إذن يمكننا أن نسيئ معاملتها أو نسبب لها الأذى؟". الواقع أن سؤال وجيه، لأننا نسيئ معاملتها، وعلى نطاق واسع.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن أغلب الكاثوليك الرومان يشاركون في هذه المعاملة السيئة، قِلة منهم بتربية الدجاج والبط والديوك الرومية بطرق تضمن لهم تعظيم أرباحهم من خلال الحد من سبل رفاهة الحيوان، وغالبيتهم بشراء منتجات المزارع الصناعية. وإذا تمكن البابا فرانسيس من تغيير هذا الواقع، فإنه بذلك يكون قد فعل في اعتقادي قدراً من الخير أكبر من أي خير قدمه أي بابا آخر في التاريخ الحديث.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel