singer168Aliyev Alexei Sergeevich_father and son Aliyev Alexei Sergeevich/Getty Images

ما بعد الأسرة التقليدية

ملبورن/وارسو ــ في الشهر الماضي، سافر البابا فرانسيس إلى أبو ظبي، حيث التقى الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب (جامعة الأزهر هي المؤسسة السُنّية الرائدة لدراسة الشريعة الإسلامية). وقد وَقَّع الزعيمان الدينيان "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك"، داعين أتباع الديانتين، وأيضا زعماء العالم، إلى نشر التسامح والسلام وإنهاء "الانحدار الأخلاقي والثقافي الذي يشهده العالَم في الوقت الحاضر".

يتعلق أحد جوانب هذا الانحدار الأخلاقي والثقافي المفترض بالأسرة. فقد صرح البابا والإمام الأكبر أن "الهجوم على مؤسسة الأسرة، أو النظر إليها بازدراء، أو التشكيك في دورها المهم، يُعَد واحدا من أشد الشرور تهديدا في عصرنا". وتؤكد الوثيقة أن الأسرة هي "النواة الأساسية للمجتمع والإنسانية" وهي "تشكل ضرورة أساسية لجلب الأطفال إلى العالَم، وتنشئتهم، وتربيتهم وتعليمهم، وتزويدهم ببنية أخلاقية متينة والأمن المنزلي".

الواقع أن ما يساورهما من قلق مفهوم: ففي العديد من البلدان اليوم، أصبحت الأسرة التقليدية التي تتألف من زوجين من ذكر وأنثى أقل غَلَبة. ولكن أهذا أمر سيئ حقا؟

تتوقع الأمم المتحدة أن يتجاوز عدد سكان العالَم 11 مليار نسمة بحلول نهاية هذا القرن، وسوف تكون وتيرة النمو الأسرع على الإطلاق في بعض من أفقر بلدان العالَم. في ظل هذه الظروف، إذا اختار بعض الناس عدم جلب أطفال إلى العالَم، فلا ينبغي لأحد أن يستخف بهم أو يذمهم.

الواقع أن نسبة الأشخاص المتزوجين قانونا تنحدر في بعض المناطق، لمجموعة متنوعة من الأسباب. فمع اضمحلال الوصمة التي كانت ذات يوم تُربَط بعار "العيش في الخطيئة"، لا يرى الكثير من الأزواج سببا كافيا للزواج، سواء كان لديهم أطفال أو لم يكن. وفي بعض البلدان، تشكل الصعوبات القانونية والتكاليف المرتبطة بالطلاق رادعا للزواج.

بطبيعة الحال، ربما ينشئ مثل هؤلاء الأزواج أسرة لا تقل قوة عن تلك التي ينشئها زوجان مرا بمراسم وطقوس الزواج القانوني. على نحو مماثل، تستطيع الأسر "المختلطة" أو "الممتزجة" التي تجمع بين أطفال من علاقات سابقة أن تقدم كل ما تقدمه الأسرة التقليدية. وفي العديد من البلدان، من الممكن أن يتزوج الآن شخصان من نفس الجنس وأن يكونا أسرة، رغم أن فرانسيس والطيب يعارضان مثل هذه الأسر ولا ينظران إليها على أنها تزود الأطفال "ببنية أخلاقية متينة". ولا شك أن الاتجاه بين نساء منفردات إلى إنجاب أطفال، غالبا باستخدام التلقيح الاصطناعي أو الإخصاب في المختبر (أطفال الأنابيب)، يثير أيضا انزعاج أنصار الأسرة التقليدية.

Subscribe now
ps subscription image no tote bag no discount

Subscribe now

Get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, and the entire PS archive of more than 14,000 commentaries, plus our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

ولكن لعل التغير الأكثر أهمية هو العدد المتزايد من الأشخاص الذين يختارون حياة العزوبية. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، نجد أن 45% من البالغين إما مطلقون أو أرامل أو لم يسبق لهم الزواج قط. وفي بعض الأماكن، مثل مدينة نيويورك، نجد أن غالبية الناس عازبون.

على النقيض من التصور النمطي للأشخاص المنفردين على أنهم يشعرون بالوحدة والتعاسة، تُظهِر الأبحاث أن الأشخاص المنفردين هم في واقع الأمر أكثر انخراطا في شبكة من الأصدقاء والمعارف مقارنة بالأشخاص المتزوجين. وهم أكثر عطاء للمجتمع والآخرين، وأكثر ميلا إلى مساعدة آبائهم، أو أقربائهم، أو جيرانهم، مقارنة بالأشخاص المتزوجين.

لا ينبغي لهذا أن يأتي كمفاجأة حقا. ذلك أن أي شخصين متزوجين قانونا من المرجح أن يعطي كل منهما الأولوية لزوجه، على الأقل إلى أن ينجبا أطفالا، ثم تتحول الأولوية غالبا إلى الأطفال. وقد نزعم أن الميل إلى الاهتمام بدائرة أوسع من أسرة المرء أفضل من الناحية الأخلاقية، وخاصة في المجتمعات الثرية، حيث من المرجح أن يكون أفراد الأسرة الآخرون في حال أفضل كثيرا من الغرباء الأكثر بُعدا في البلدان المنخفضة الدخل. والواقع أن الكتاب المقدس والقرآن يقران بأن هذه الرؤية الأكثر شمولية أسمى أخلاقيا.

نحن لا ننكر القيمة العظيمة في تقسيم المجتمع إلى وحدات صغيرة حيث يتحمل البالغون مسؤولية محددة عن الأطفال الذين يعيشون معهم. فهذا يتناغم مع مشاعرنا الغريزية المتطورة، والتي يمكن ملاحظتها في ثدييات اجتماعية أخرى أيضا. والحق أن الترتيبات البديلة، مثل تربية وتنشئة الأطفال الجمعية في الكيبوتز الإسرائيلي، لم تكن ناجحة، برغم أن التجارب غير الرسمية في "الوالدية المشتركة"، حيث تعمل مجموعة من البالغين على تربية وتنشئة أطفال بعض منهم معا، تبدو في انتشار.

إن الأسرة التي تقوم بوظيفتها على نحو جيد توفر بيئة أكثر محبة واستقرارا للأطفال من أي نموذج آخر ابتكره البشر حتى الآن، لكن هذا لا يعني أن الأسرة يجب أن تقوم على الزواج التقليدي. الواقع أنه على الرغم من الاتفاق الواضح بين البابا والإمام الأكبر على أهمية الأسرة، فإن التقاليد المسيحية والإسلامية تحمل تصورات مختلفة عن كينونة الأسرة، حيث تسمح التقاليد الإسلامية للرجال بالاقتران بأكثر من زوجة واحدة. وإذا كان فرانسيس والطيب، على الرغم من هذه الاختلافات، على استعداد لقبول دعم كل منهما لتصور الآخر للأسرة، فلابد أن يكونا قادرين على قبول نماذج أخرى أيضا، ما دام لا يوجد دليل دامغ على أن هذه النماذج ضارة لأصحاب الشأن، بما في ذلك الأطفال.

من المثير للفضول أن تؤكد "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك" أن التشكيك في أهمية الأسرة يُعَد واحدا من أشد الشرور تهديدا في عصرنا. فمن منظور عالمي، ليس من المفيد أن نقيد أنفسنا بمثل هذه الوحدات الصغيرة. فالسفر والإنترنت يتيحان تكوين صداقات جديدة خارج حدود البيوت والبلدان. وإذا كنا مهتمين حقا بالأخوة البشرية، فربما ينبغي لنا أن نركز بشكل أكبر على بناء علاقات تمتد عبر الكرة الأرضية، بدلا من إدانة أولئك الذين يرون أن الأسرة التقليدية نموذج مُـقَيِّد على نحو مفرط.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/vYsazzL/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.