5

اختبار البلطيق للحد من التسلح الأوروبي

برلين - منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في أوائل عام 2014، تدهورت العلاقات السياسية والعسكرية مع الغرب  بشكل حاد. وقد أدت عمليات إعادة الانتشار العسكرية الروسية، والتمارين، والتهديدات انعدام الأمن في جميع أنحاء أوروبا. وقد استجابت منظمة حلف شمال الأطلسي عن طريق تقوية وجودها العسكري في أوروبا الوسطى، مما يزيد من مخاوف التطويق في الكرملين. ولتجنب خطر حدوث سباق تسلح أو مواجهة عسكرية، يجب أن يتفق الجانبان على وجه السرعة على اتخاذ تدابير متبادلة للحد من القدرات العسكرية والانخراط في الحد من التسلح.

بالطبع، لدى روسيا وحلف شمال الأطلسي أفكارا مختلفة جدا عن نظام أمني أوروبي سلمي ومستقر. لكن نفس الشيء كان صحيحا خلال الحرب الباردة، وحقق الجانبان تقدما باستخدام أدوات الحد من التسلح لإدارة العلاقة بينهما والتخفيف من خطر الحرب. لكن اليوم هناك خلاف كبير بين أعضاء حلف شمال الأطلسي حول الشروط المسبقة، والمحتوى، وشكل محادثات الحد من الأسلحة الممكنة مع روسيا.

في أغسطس/آب الماضي، اقترح وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير أنه على جميع البلدان المهتمة في أوروبا "تجديد" السيطرة على الأسلحة  في أوروبا، "كوسائل مختبرة ومجربة للحد من المخاطر، من أجل الشفافية، وبناء الثقة بين روسيا والغرب. وقال شتاينماير "مثل هذا الحوار المنظم"، يجب أن يتجاوز الاتفاقات القائمة.

بعد ستة أسابيع، رفضت الولايات المتحدة بقوة هذا الاقتراح، مؤكدة أنه طالما ظلت روسيا على مسارها الحالي، ليس هناك "ببساطة أي أساس" لإجراء محادثات جديدة للحد من التسلح. وبدلا من ذلك، أشارت الولايات المتحدة، أنه من الضروري إحياء الاتفاقات القائمة.

قد يكون اقتراح ألمانيا طموحا جدا. لكن اقتراح أميركا ليس طموحا بما فيه الكفاية، وربما الأهم من ذلك تجاهل فشل المحاولات السابقة لتحديث اتفاقات رئيسية، مثل معاهدة القوات التقليدية في أوروبا ومعاهدة الأجواء المفتوحة. والنهج الأفضل - أكثر جدوى من نظيره في ألمانيا وأكثر فعالية من أميركا - سيكون حافزا للبلدين للحد من التسلح على غرار شتاينماير في منطقة أوروبية واحدة: محيط بحر البلطيق.

منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، اشتد عدم الثقة بين حلف شمال الأطلسي وأعضاء خارج الناتو في منطقة بحر البلطيق، مما يجعل هذه المنطقة بشكل خاص عرضة للصراع. يجب على الناتو الآن تحقيق توازن بين، من جهة، إعادة الطمأنينة الهادفة للبلطيق وأعضائها في أوروبا الوسطى وردع روسيا، ومن ناحية أخرى، مواصلة التعاون والحوار مع روسيا. في هذا السياق، يمكن أن تصبح منطقة بحر البلطيق موقع إثبات للاستراتيجيات السياسية لتخفيف حدة التوتر بين الناتو وروسيا.

وقد اعتبر الناتو دائما الردع والحد من انتشار الأسلحة اثنين من ركائز إستراتيجية الحفاظ على الاستقرار الأوروبي. لهذا السبب، لا ينبغي لتجديد الحد من انتشار الأسلحة بمنطقة بحر البلطيق التأثير على تدابير الردع القائمة، بما في ذلك وجود دورية المكونة من أربع كتائب الناتو في دول البلطيق وبولندا. إن خفض القوات من جانب واحد لن يساعد عملية التفاوض للحد من التسلح.

بدلا من ذلك، ينبغي أن تبدأ هذه العملية بمحادثات منظمة حول الموضوعات ذات الاهتمام بالجهات الفاعلة الإقليمية. على كل حال، فالحوار ليس فقط من أدوات السياسة الناعمة للتعامل مع المسائل مثل التجارة أو التعاون البيئي؛ فهو ضروري أيضا لأي سياسة أمنية تنظر إلى أبعد من الردع. ينبغي أن يشمل الهدف تدابير بناء الثقة والاتفاق على الحد من القدرات العسكرية.

ويعتمد الحد من انتشار الأسلحة على الشفافية. ولحسن الحظ، فحلف شمال الأطلسي، كعنصر فاعل مع موقف القوة التقليدية الدفاعي في منطقة بحر البلطيق، لديه الكثير من الدوافع لدعم الشفافية. وغالبا ما يكسب المعتدي ميزة الإخفاء والسرية – وهي سمات الحرب "الهجينة" التي أصبحت دول البلطيق تخشاها، ولاسيما منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.

على هذه الخلفية، يجب على الناتو مواصلة حوار جديد للحد من انتشار الأسلحة بهدف تعزيز الشفافية فيما يتعلق بالقدرات العسكرية ذات الصلة بالحرب الغير تقليدية، وتوفير الإنذار المبكر من التحركات المزعزعة للاستقرار والتي ليست بأعمال الحرب. وبالنظر إلى التفوق الروسي التقليدي في منطقة بحر البلطيق، على الناتو ألا يعتقد أن هذا الجهد من شأنه إضعاف أمن المنطقة بشكل غير مقصود. ومن غير الواضح ما إذا كانت روسيا مهتمة بهذا الحوار، غير أن من الأرجح  أن يرغب الكرملين في التخفيف من خطر التصعيد العسكري الغير مقصود.

إن لجنة التخفيضات العميقة، التي تضم خبراء روسيين، أمريكيين وألمانيين للحد من التسلح، أصدرت في الآونة الأخيرة بعض المقترحات الملموسة لمواجهة التحدي القائم. على سبيل المثال، تنصح اللجنة بالقيام بترتيبات لضمان الإبلاغ عن أي تحركات وتدريبات للوحدات العسكرية. كما أنها اقترحت بعض التدابير لتجنب وقوع حوادث عسكرية غير مقصودة. ويحثون أعضاء حلف شمال الأطلسي بالتوصل إلى  اتفاق مع روسيا حول ترددات الطائرات، ولاسيما خلال الطلعات الجوية فوق منطقة بحر البلطيق.

كل هذه الجهود يمكن أن يدعمها حوار حول الاستراتيجيات العسكرية بين دول بحر البلطيق نفسها. ينبغي تنظيم مثل هذه المحادثات من قبل مؤسسات الفكر والرأي، من الناحية المثالية في فنلندا المحايدة أو السويد، وليس في شكل رسمي. مثل الحوار للحد من التسلح بين الناتو وروسيا، سيوفر هذا الجهد الطمأنينة، دون تقويض الردع.

وسوف تدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحد من التسلح الإقليمي الفرعي أيضا الأمن الأوروبي بشكل عام، وتستكمل الجهود الرامية إلى إنشاء معايير نظام أمني جديد شامل لأوروبا. ما يصلح في منطقة بحر البلطيق يمكن تعديله وتطبيقه على نطاق أوسع.

فالحد من انتشار الأسلحة ليس أساسيا لأوقات الهدوء أو مكافأة على السلوك المطمئن، وإنما هو أداة لبناء - أو إعادة بناء - الثقة بين الخصوم. ولاستخدامه بفعالية، يجب على كل جانب أولا أخذ فكرة عن وجهة نظر ونوايا الطرف الآخر - وهو جهد يمكن أن تلعب من خلاله المحادثات شبه الرسمية دورا هاما. التكتم الروسي حول الدخول في حوار من شأنه أن يشير إلى الرغبة في الاعتماد على المفاجآت العسكرية في المستقبل، لكن حتى الحوار الفاشل سيفيد حلف شمال الأطلسي ودول البلطيق. وسيكون بالتأكيد أفضل من لا شيء.