Anxious man Media for Medical:UIG via Getty Images

الضرورة الأخلاقية لرعاية الصحة النفسية

برينستون ــ إذا كان بوسعنا أن نمنع قدرا عظيما من المعاناة دون أي تكلفة نتحملها شخصيا، فيتعين علينا أن نفعل ذلك. وهذا المبدأ مقبول على نطاق واسع ويَصعُب منازعته أو الجدال فيه. ورغم ذلك، تُهمل الحكومات الغربية الفرصة للحد من البؤس العظيم الناجم عن المرض العقلي، حتى برغم أن صافي التكلفة يساوي صِفرا.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

ويأتي الدليل عل هذا الزعم من بحث حديث أجراه فريق من خبراء الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد. واستند الفريق، الذي أداره ريتشارد ليارد، إلى بيانات من أربع دول متقدمة رئيسية (أستراليا، وبريطانيا، وألمانيا، والولايات المتحدة)، حيث طُلِب من الناس أن يذكروا مدى رضاهم عن حياتهم على مقياس من صِفر إلى عشرة.

يشير الباحثون إلى المنتمين إلى فئة أقل 10% من السكان رضا عن حياتهم على أنهم يعيشون "في بؤس". وقد رد المستجيبون أيضا على أسئلة أخرى مصممة للتعبير عن العوامل التي تؤثر على مستوى الرضا عن الحياة.

وعندما حلل فريق ليارد النتائج، وجدوا أن أكبر العوامل تأثيرا على مستوى البؤس كانت جميعها غير اقتصادية: الصحة النفسية، والصحة البدنية، وما إذا كان الشخص لديه شريك في الحياة. وكانت الصحة النفسية المؤشر الأكبر على الإطلاق؛ فقد فسرت الفارق بين الناس عندما يتصل الأمر بالرضا عن الحياة بما يُعادِل ضعف الصحة البدنية أو التفاوت في الدخل. (وكان هذا صادقا أيضا بين الأفراد المنتمين إلى فئة التسعين في المائة غير البائسين بين السكان).

يزعم الباحثون أن القضاء على الاكتئاب والقلق، في عموم الأمر، من شأنه أن يقلل من البؤس بنسبة 20%، في حين يقلل القضاء على الفقر من البؤس بنسبة 5% فقط. وإذا كنا راغبين في الحد من البؤس في العالَم المتقدم، فإن الصحة النفسية تمثل التحدي الأكبر الذي يتعين علينا أن نتغلب عليه.

سوف يجد كثيرون هذه النتيجة مستغربة. ففي نهاية المطاف، يتوقع أغلبنا أننا قد نصبح أكثر سعادة إذا كنا أكثر ثراء. لماذا إذن تأتي الصحة النفسية، وليس الفقر، كأكبر سبب للبؤس؟

الإجابة هي أن الناس يتكيفون مع مستويات أعلى من الدخل بمرور الزمن ــ وهي الظاهرة المعروفة باسم "التكيف التلذذي" ــ وهم يقارنون بين دخولهم ودخول أقرانهم. ويُنتِج هذا ما يسمى "مفارقة إيسترلين"، أو الكشف الذي يشير إلى أنه برغم أن الأشخاص الأكثر ثراء أكثر رضا عن حياتهم من الفقراء، فإن النمو الاقتصادي لم يكن في الغالب سببا في زيادة الرضا الإجمالي عن الحياة في العالَم المتقدم. فإذا أصبح جارك أكثر ثراء، ستشعر أنك أفقر. وإذا أصبح كل منكما أكثر ثراء، فمن غير المرجح أن يكون أي منكما أكثر سعادة بشكل ملحوظ. وفي المقابل، لا يتكيف الناس مع الصحة النفسية الضعيفة؛ ولا يجعلك بؤس جارك تشعر بأنك في حال أفضل.

ولأن الصحة النفسية تخلف أكبر الأثر على مستوى الرضا عن الحياة، يظل من الواجب علينا أن نسأل أنفسنا ما إذا كان علاجها الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة التي تستطيع بها الحكومات أن تحد من البؤس. وقد تساءل ليارد وزملاؤه عن القدر الذي قد تضطر الحكومة البريطانية إلى إنفاقه من المال في التعامل مع تحديات مثل الصحة النفسية، أو الصحة البدنية، أو البطالة، أو الفقر. وقد خلصوا إلى أن الصحة النفسية هي الأرخص بين الخيارات الأربعة: فهي أكثر فعالية من حيث التكلفة بنحو 18 مرة في الحد من البؤس وتعزيز السعادة مقارنة باستهداف الفقر.

في المملكة المتحدة، يكلف توفير العلاج النفسي نحو 650 جنيه إسترليني لكل مريض، ويكون العلاج فعالا لنحو 50% من المرضى. ويشير هذا الرقم إلى مقدار ما قد تحتاج الحكومات إلى إنفاقه، ولكنه لا يضع في الحسبان ماذا قد يعود عليها من فوائد.

فالحد من المرض النفسي يمكن العديد من الناس من العودة إلى العمل، وبالتالي يقلل من تكلفة إعانات البطالة في حين يزيد من الإيرادات الضريبية. ومن ثَم فقد افترض ليارد وزملاؤه أن معالجة الصحة النفسية تغطي تكاليفها تلقائيا. وفي واقع الأمر، تستطيع حكومة المملكة المتحدة أن تحد من البؤس دون أي تكلفة.

والآن، هناك المزيد من البحوث الاقتصادية، هذه المرة من قِبَل بول فريجترز وزملائه، من كلية لندن للاقتصاد أيضا، التي قيمت التأثير المترتب على تحسن القدرة على الوصول إلى برنامج العلاج النفسي في المملكة المتحدة، وهو المشروع الذي تصوره ليارد والعالِم النفسي ديفيد كلارك، والذي أُطلِق في عام 2008. وقد خلص الباحثون إلى أن الزيادة في الإيرادات الضريبية وخفض تكلفة استحقاقات البطالة يغطي نحو 20% فقط من تكلفة علاج الأمراض العقلية والنفسية. ولكنهم يزعمون رغم ذلك أن علاج الصحة النفسية يظل قادرا على تمويل نفسه لأن أولئك الذين يتلقون العلاج النفسي يحتاجون إلى قدر أقل كثيرا من خدمات الصحة البدنية.

الواقع أن المملكة المتحدة لم تقلص ميزانيتها الصحية. وبالتالي فإن تأثير علاج الصحة النفسية يتلخص في تحرير موارد أخرى يمكن استخدامها لعلاج مرضى أخرين. ولكن هذا التأثير كان كبيرا إلى الحد الذي جعل فريجتزر يزعم أننا يمكننا توسيع العلاج لكي يشمل جميع الـ 12% من سكان المملكة المتحدة الذي يعانون من درجة معتدلة من القلق أو الاكتئاب، ويتوقع أن يغطي هذه الاستثمار تكاليفه ذاتيا في هيئة وفر في التكاليف في غضون فترة لا تتجاوز عامين أو ثلاثة أعوام.

في السنوات القليلة الأخيرة، تغيرت المواقف في التعامل مع الصحة النفسية بشكل كبير؛ حتى أن الأمراء وكذلك الرياضيين، يشعرون الآن بأنهم قادرون على التحدث عنها بشكل منفتح. وفي المملكة المتحدة، أظهرت دراسة أن المرض النفسي يؤثر على واحد من كل أربعة أشخاص في أي عام، في حين وجدت أبحاث أجريت في ثلاثين دولة أوروبية أن 38% من السكان يعانون من شكل ما من أشكال المرض النفسي أو العصبي. ولكن ما لم يدركه الباحثون أن هذه المعاناة يمكن تجنبها إلى حد كبير.

الآن، بدأت الحكومات تنظر إلى الصحة النفسية بقدر من الجدية لا يقل عن جديتها في التعامل مع الصحة البدنية. ولكنها تستطيع أن تفعل أكثر من هذا بأشواط. فمن الممكن أن تعمل زيادة إنفاقها على الصحة النفسية على الحد من قدر هائل من البؤس ــ ودون تكلفة في الأمد البعيد.

بطبيعة الحال، علاج بعض الأمراض النفسية أكثر صعوبة من علاج الأشكال المعتدلة من الاكتئاب أو القلق، وعند مرحلة ما قد لا يغطي الإنفاق الأعلى تكاليفه ذاتيا. ولكن إلى أن نبلغ هذه النقطة ينبغي لنا أن نتفق جميعا على الضرورة الأخلاقية للتوسع الجذري في تمويل الصحة النفسية.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/48m855c/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now