US employment Matt Cards/Getty Images

لا شيء طبيعي في معدل البطالة الطبيعي

نيويورك ــ تُرى لماذا تنخفض البطالة إلى هذا الحد في الدول التي يبقى فيها التضخم مكبوحا؟ يمثل هذا سؤالا جوهريا بالنسبة للاقتصاديين، وعندما يواجه الاقتصاديون سؤالا جوهريا، يستتبع هذا غالبا نشوء خلاف جوهري.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

كنت أحد الاقتصاديين المتمردين في ستينيات القرن الماضي الذين رفضوا الاقتصاد الكلي الذي تعلمناه في الخمسينيات ــ وأخص بالذكر هنا النظرية "الكينزية" التي طورها جيه. آر هيكس، وآيه دبليو فيليبس، وجيمس توبين، والتي تقول بأن الطلب الكلي هو المحرك لكل شيء. فارتفاع البطالة، وفقا لهذه النظرية، ليس له سبب سوى نقص الطلب، وانخفاض البطالة سببه الوحيد ارتفاع الطلب بصورة غير طبيعية.

وقد أزعجنا هذا الطرح، لأن النظرية الأساسية التي تعلمناها ــ وهي النظرية التي بناها ألفريد مارشال، ونوت ويكسل، وروبرت سولو ــ كانت تقول بأن القوى البنيوية هي المحرك لكل شيء. وكانت هذه النظرية ترحب بالتقدم التكنولوجي الأسرع، وتزايد الميل إلى العمل أو الادخار، لأن مثل هذه الأشياء من شأنها تعزيز المعروض من العمالة ورأس المال ــ وبالتالي تعزيز التوظيف والاستثمار. لكن أنصار النظرية الكينيزية كانوا يرون القوى البنائية الهيكلية شيئا سيئا، لأنها تكلف الناس وظائفهم، إلا إذا أوجد صانعو السياسات طلبا كافيا لمضاهاة الزيادة في العرض.

وقد توصلنا إلى نتيجة مفادها أن مسار أي اقتصاد يقاس تبعا للمتغيرات التقليدية للبطالة والتضخم ونمو الناتج في الاقتصاد الكلي لا يمكن تحديده بصورة كاملة من خلال الطلب الكلي، وهذا على أقل تقدير. أما ادعاء أنصار النظرية الكينزية بأن "الطلب" قادر على كل شيء ــ باعتبار أنه وحده كفيل بزيادة التوظيف ومن ثم الاستثمار بل والنمو ــ فلا أساس له. إلا أنهم واصلوا ترديده.

وقد نشأ عن المنظور البنيوي لسلوك الاقتصاد الكلي ظهور المفهوم الذي سُمي بالمعدل "الطبيعي" للبطالة، المستعار من فكرة معدل الفائدة "الطبيعي" التي برزت في أوروبا خلال فترة ما بين الحربين العالمتين. لكن وصف "طبيعي" كان مضللا.

تتلخص الفكرة الأساسية للمنهج البنيوي في أن معدل البطالة يتسم بميل حقيقي إلى الاستقرار والعودة لنقطة المركز رغم التذبذب الدائم لقوى السوق. فلو افترضنا مثلا هبوطه لأدنى من مستواه "الطبيعي"، فسوف يرتفع مجددا باتجاه ذلك المستوى ــ فيتحسن بالتالي معدل التضخم. (لا شك أن أي صدمة جديدة تصيب الطلب قد ترفع البطالة مرة أخرى وتقلل التضخم، لكن "المعدل الطبيعي" يفرض قوته الجاذبة التي تعيد البطالة إلى نقطة المركز).

لكن هناك شكل من أشكال التعقيد لطالما أكدت عليه، وهو أن "المعدل الطبيعي" ذاته قد يُدفع إلى أعلى أو يُجر إلى أسفل بفعل التغيرات البنيوية، فضلا عن أن التغيرات في الاتجاهات البشرية والمعايير قد يكون لها تأثير هي الأخرى.

بيد أن تطورا لافتا قد شكل بالفعل تحديا لهذه النظرية، يتمثل في أمريكا ومنطقة اليورو اللتين تعيشان في قلب حالة من الانتعاش الاقتصادي. ففي أمريكا، هبطت البطالة لمستويات منخفضة للغاية ولا تبدي أي إشارة للارتفاع مجددا والعودة إلى معدلها الطبيعي السابق ــ بغض النظر عن مستواها الجديد. هنا سنجد أن أي نموذج بنيوي سيتنبأ، بلا أي دليل قوي، بمعدل تضخم مرتفع بالفعل ومستمر في الارتفاع ــ بينما معدل التضخم في الواقع ليس مرتفعا، رغم إغراق الاحتياطي الفدرالي الأمريكي اقتصاد البلاد بالسيولة النقدية. في منطقة اليورو أيضا، نجد البطالة آخذة في الانخفاض لكن معدلات التضخم لا تزال منخفضة هناك هي الأخرى.

كيف يمكن إذا تفسير مفارقة انخفاض البطالة رغم انخفاض التضخم (أو العكس)؟ حتى الآن لا يزال الاقتصاديون ــ سواء من أنصار نظرية القوى البنيوية أو المتشددين من أنصار النظرية الكينزية ــ عاجزين عن الجواب. ويجب أن تكون الإجابة أن "المعدل الطبيعي" ليس مقياسا ثابتا من ثوابت الطبيعة كسرعة الضوء، وأنه بالتأكيد قابل للتحرك بفعل القوى البنيوية، سواء كانت تكنولوجية أو ديموغرافية.

فمن المحتمل على سبيل المثال أن تكون الاتجاهات الديموغرافية هي التي تبطّئ نمو الأجور وتخفض المعدل الطبيعي. فمنذ السبعينيات وحتى أواخر العقد الأول من الألفية الحالية، كانت الديموغرافيا قضية خاملة بشكل كبير. والآن، يتقاعد المنتمون إلى طفرة المواليد في سنوات ما بعد الحرب من وظائف عالية الأجور نسبيا، بينما الشباب، الذين يستهلون حياتهم المهنية بأجور منخفضة نسبيا، لا زالوا يتدفقون على سوق العمل. ويؤدي هذا إلى إبطاء نمو معدلات الأجور عندما يبلغ معدل البطالة مستوى معينا، مما يؤدي إلى انخفاض البطالة عندما يبلغ معدل نمو الأجور مستوى بعينه.

الأكثر إثارة من ذلك هو التأثير المحتمل لقيم الأشخاص واتجاهاتهم، وكذلك آمالهم ومخاوفهم، بشأن المجهول وما لا سبيل إلى معرفته فيما يتعلق بالمعدل الطبيعي. وهنا ندخل منطقة مجهولة.

وأنا شخصيا أميل إلى فرضية مقنعة تقول إن العاملين بعد اهتزازهم وتأثرهم بالأزمة المالية عام 2008 وما نتج عنها من ركود عميق، تزايدت خشيتهم من المطالبة بترقيات أو البحث عن أرباب عمل يدفعون أجورا أعلى ــ رغم سهولة العثور على فرص عمل في سوق العمل التي باتت محكمة في الآونة الأخيرة. وتلازم هذه الفرضية فرضية أخرى مفادها أن أرباب العمل الذين انزعجوا من نمو الإنتاجية المنخفض للغاية، خاصة في السنوات العشر الأخيرة، صاروا أكثر حذرا في منح زيادات في الأجور ــ رغم عودة الطلب إلى معدلات ما قبل الأزمة.

وقد قلت أيضا، بناءً على نموذج من ابتكاري، إنه مع استعادة الدولار لقوته في مطلع عام 2015 وتهديد ذلك بإغراق الأسواق الأمريكية بالواردات، أضحت الشركات خائفة من تقديم إنتاجية أكبر بنفس السعر، أو أنها قامت بتوفير نفس الإنتاجية السابقة بأسعار مخفضة، وبالتالي رفضت زيادة أجور موظفيها. بإيجاز شديد، أسهمت زيادة المنافسة في خلق "توظيف ممتاز" انعكس في انخفاض البطالة والتضخم.

كل هذا لا يعني أن معدل البطالة الطبيعي شيء لا وجود له، وإنما يعني فقط أنه لا يعبر عن أي شيء طبيعي، ولم يسبق له ذلك قط.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/Jmw9NH5/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now