4

عيد ميلاد متسامج جدا

لندن ــ لقد بات عيد الميلاد (الكريسماس) على الأبواب ــ ويبدو أنه كان كذلك منذ منتصف الخريف. وفي حال ما إذا كانت هناك أية علامة على الوهن، فلدينا الآن يوم الجمعة الأسود، الذي صدرته الولايات المتحدة، عندما نتشجع جميعاً على تجرع روح عيد الميلاد الحديثة والتسوق إلى أن نسقط من الإعياء.

الحق أنني أستهجن، وفقاً لطريقتي العتيقة الطراز، الاحتفال بهذا اليوم على هذا النحو. فمنذ متى كنا نسعد بقدوم الكريسماس في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني؟ لا ينبغي للاحتفالات أن تحدث إلا عندما يأتي يومها على التقويم. عندما كنت صبيا، كان يوم الكريسماس يأتي في عشيته، الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول. وكنا نذهب إلى القداس في منتصف الليل. وبعد ذلك كان والدي يحملني إلى البيت.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

وكنا نستيقظ في الصباح التالي لفتح الهدايا وإعداد أنفسنا لغداء الديك الرومي. وكان اليوم التالي للكريسماس عطلة عامة نتناول خلالها لحم الديك الرومي البارد ولحم الخنزير.  ثم نعود إلى أعمالنا في السابع والعشرين من ديسمبر. كان ذلك هو كل شيء. انتهى الكريسماس، إلى أن يأتي يوم الرابع والعشرين من ديسمبر التالي.

أما في أيامنا هذه، فسواء كنت مسيحياً أو لم تكن، تحول الاحتفال بعيد ميلاد المسيح إلى عربدة شتوية وانغماس مفرط في الشراء والاستهلاك. بطبيعة الحال، لم يخل الأمر قط من جانب تجاري للكريسماس، وإن كان ذلك الجانب يقتصر على مربي الدواجن وصناع بطاقات المعايدة. ولكن في أغلب البلدان اليوم، حتى تلك التي يشكل مواطنوها المسيحيون أقلية، يقدم الاحتفال الفرصة لقضاء عطلة والاحتفال الصاخب.

وفي بعض الأحيان، تصبح رموز الحدث مشوشة وملتبسة للغاية. فوفقاً للتقارير، احتفل أحد المتاجر في طوكيو بهذا الوقت من العام للمتسوقين بتعليق دمية كبيرة مصلوبة لسانتا كلوز (بابا نويل) في قاعة مدخله. وبعيد عن كون القصة حقيقية أو مشكوك في صحتها، فإنها تعطينا بعض التصور للارتباك الثقافي الذي قد يجلبه هذا العيد الديني الذي يحل في منتصف الشتاء. الواقع أن كل هذا بعيد تماماً عن الحظيرة في بيت لحم التي قرأنا عنها في العهد الجديد ــ الموقع الذي تحوطه الآن قوات الدفاع الإسرائيلية بسياج من الأسلاك الشائكة.

بطبيعة الحال، هناك أماكن حيث قد تؤدي أي علامة للاحتفال بعيد الميلاد إلى إشعال شرارة الاضطهاد المباشر. ففي أي جزء من بلاد ما بين النهرين يسيطر عليه حالياً تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، قد يفقد المسيحيون الممارسون لطقوس عبادتهم رؤوسهم. إن التعصب في أسوأ صوره قاتل حرفيا، ولكن هناك العديد من أشكال التعصب الأخرى، وهي بكل تأكيد أقل ترويعاً من تعصب الجهاديين وقد لا تقتل أحدا، ولكنها تحط من قدرنا جميعا.

ولنتأمل أولئك الذين لا يحبون أن يكتبوا أو يقولوا "عيد ميلاد مجيد سعيد"، خشية الإساءة إلى أولئك الذين هم ليسوا مسيحيين. الواقع أن هذه الرقابة الذاتية مهينة لليهود والهندوس والمسلمين. فما الذي قد يسيء إلى أي شخص إذا احتفل المسيحيون بعيدهم في ديسمبر؟ هل يشكل احتفال الهندوس بعيد ديوالي، أو المسلمين بالعيد الكبير أو الصغير، أو اليهود بعيد الفصح إساءة للمسيحيين. لا ينبغي لأي من هذا أن يحمل أي إساءة بكل تأكيد، وإن كان بوسعنا أن نتذكر فترات رهيبة من التزمت المسيحي والتعصب الشديد.

وقد شهدنا في بريطانيا مؤخراً مثالاً للاستقامة السياسية المزعومة التي ذهبت إلى ما هو أبعد من هذه التساؤلات. فقد صورت كنيسة إنجلترا فيلماً لطوائف مسيحية مختلفة وهي تتلو الصلاة الربانية، التي تمثل أحد أسس العبادة المسيحية. وكان المفترض أن يعرض هذا الفيلم مع الإعلانات في دور السينما. ولكن أصحاب دور السينما حظروا عرض الفيلم على أساس أنه قد يمثل إساءة للبعض. حتى أن بعض الملحدين المعروفين انتقدوا هذا التصرف الرقابي الطائش.

الواقع أن التعصب آخذ في النمو، وليس فقط في مجتمعات يديرها جهاديون ومتطرفون دينيون. ففي مختلف مقار الجامعات، وخاصة في الولايات المتحدة ولكن أيضاً في بريطانيا، يعطي الطلاب أنفسهم حق حرمان الآخرين من حرية التعبير أو إعادة كتابة تاريخ أولئك الذين يزعجونهم أو يصدمونهم ــ وهو إنكار تام لكل ما ينبغي للجامعات أن تمثله أو ترمز له. فالرقابة والتأكيد على الحساسيات يزيل جوهر المعرفة والعلم، ومعه يزول كل تصور للجامعة حيث تُعَرِّف التعددية التقاء العقول.

إن الاختلاف في الرأي يشكل صميم المناقشة المستنيرة. وإذا دمرت هذا المبدأ فإنك بهذا تدمر كل السمات المميزة للنظام الليبرالي. وكما زعم الفيلسوف السياسي العظيم كارل بوبر فإن الشيء الوحيد الذي لا ينبغي لنا أن نتسامح معه أبداً في أي مجتمع مفتوح هو عدم التسامح.

ويتمثل أكثر الأمثلة تطرفاً لعدم التسامح اليوم ــ والذي يحاربه قسم كبير من العالم الآن ــ في شمولية تنظيم داعش الدينية. والأمر متروك للمسلمين أنفسهم لمناقشة مدى انتماء هذا التطرف إلى الجهود النشطة التي تبذلها المملكة العربية السعودية للترويج لفِكرها الوهابي. ولكن من الصعب على نحو متزايد أن يتغافل العالم الخارجي عن التأثير الذي يخلفه أكبر صادرات المملكة إلى جانب النفط.

لعل أفضل هدية يمكننا تقديمها إلى العالم هذا الكريسماس (بعيداً عن كوننا نحتفل به دينياً أو لا) هي أن نكرس أنفسنا لنصرة التسامح في كل مكان. وسوف يتطلب هذا أن نعكف على معالجة سرد الضحية المقلوب الذي يتم توظيفه غالباً لتبرير التعصب. فالمعاناة من أخطاء الماضي لا تبرر اللجوء إلى القسوة في الوقت الحاضر أو المستقبل.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

إن المجتمع المفتوح، في عيد الميلاد هذا، في خطر، وليس فقط من الخارج من أمثال داعش بل وأيضاً بفعل تهديدات من الداخل (وإن كانت أصغر كثيرا) ــ أعترف بأنها فكرة كئيبة قاتمة، ونحن نستعد في الكنائس والشوارع الكبيرة للاستمتاع بحفل شتوي آخر. لذا، فبروح التسامح أقول: عيد ميلاد سعيد لك، سواء كنت يهوديا، أو مسلما، أو هندوسيا، أو من السيخ، أو كنت ملحدا، أو لاأدريا، أو استهلاكيا، أو مسيحيا. أو كما يقول الممثل الكوميدي الأيرلندي ديف ألن: "فليكن ربك معك".

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali