4

تخيلات ثلاثية الأبعاد

نيويورك ــ تُرى كيف قد تغير الطباعة الثلاثية الأبعاد عالمنا؟ اليوم، يمكنك أن تقرأ عن المجوهرات وفتاحات المعلبات العادية، وربما قرأت قبل ثلاثة عقود من الزمان أن أجهزة الكمبيوتر الشخصية من شأنها أن تمكن الناس من تنظيم وصفاتهم الطبية على سبيل المثال. ومن المؤكد أن أجهزة الكمبيوتر الشخصية أصبحت أكثر فائدة من ذلك كثيرا. فالآن بات بوسع العديد من رواد الأعمال وصغار رجال الأعمال أن يديروا عملياتهم بالكامل من خلال الكمبيوتر، ولا يحافظ الناس على انضباط وصفاتهم الطبية فحسب، بل إنهم يحتفظون بها على الإنترنت أيضا. وهم أيضاً يتتبعون تدريباتهم الرياضية الخاصة، ويراقبون أطفالهم، ويكتسبون مجموعات ضخمة من الأصدقاء الرقميين (بخيرهم وشرهم).

لقد غيرت شبكة الإنترنت ميزان القوى بين الأفراد والمؤسسات. فقد مكنت الملايين من البشر من الحصول على وظائف بلا رؤساء. وبدلاً من الرؤساء أصبح لديهم الآن وكلاء ــ مثل "تاسك رابيت" أو خدمات أمازون على شبكة الإنترنت أو شركة "أوبر" ــ الذين يتولون مهمة التوفيق بين مقدمي الخدمات والزبائن.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

وأظن أننا سوف نشهد قصة مشابهة مع الطباعة الثلاثية الأبعاد، التي بدأت تنمو لتتحول من بدعة جديدة إلى شيء مفيد ومغير لكل القواعد ــ ورخيص ومنتشر بالقدر الكافي لاستخدامه في أمور تافهة (نسبيا) أيضا. فنحن لن نطبع ألعاب الأطفال فحسب، بل وأيضاً الأطراف البشرية الاصطناعية ــ والعظام بل وحتى الرئات والأكباد ــ وفي نهاية المطاف الكثير من الآلات، بما في ذلك الطابعات الثلاثية الأبعاد ذاتها.

لذا، فحتى في حين تنخفض أسعار السلع المصنعة حسب الطلب ويتحدث الناس عن التصنيع المحلي وكذلك الأغذية المحلية، فإن بعض السلع الأخرى قد تصبح أكثر تكلفة إذا صنعناها كما ينبغي. فقد تسمع على سبيل المثال: "أهدى خوان زوجته أليس كرسياً خشبياً حقيقياً في عيد ميلادها". ولكن ابنتهما ميكا حصلت على كرسي أعيدت طباعته ومصنوع من نفس الخامات القديمة بالإضافة إلى زيادة قليلة لكي يناسب نموها منذ عيد ميلادها الماضي. ولن يختلف إلا الحجم والنقوش على الظهر، بحيث تعكس اهتمامها الجديد بالسفر إلى الفضاء؛ في العام الماضي كان اهتمامها الأول الخيول.

ومثلها كمثل أجهزة الكمبيوتر والإنترنت، فإن الطباعة الثلاثية الأبعاد سوف تؤثر على الأعمال والسلوك في مختلف أنحاء العالم وعبر مختلف الصناعات. وبالفعل، هناك عدد متزايد من خدمات الطباعة الثلاثية الأبعاد المشتركة، والتي تتيح لك أن تطبع شيئاً من تصميمك أو أن تستخدم (نسخ مخصصة من) تصميمات أخرى بوسعك أن تجدها في كتالوجات على الإنترنت أو تطلبها عبر مراكز التصميم الثلاثي الأبعاد.

وبمرور الوقت، سوف تحل مراكز الطباعة هذه محل الآلاف من المتاجر التي تحتوي على الملايين من البنود، التي يقبع بعضها لأشهر في انتظار من يشتريه. وسوف تطبع السلع باستخدام تصميمات من الخدمات على الإنترنت والتي تقدم تصميمات لسلع مفتوحة المصدر وحرة التصميم وأيضاً تصميمات لسلع قد لا تبدو متميزة للغاية باستثناء الشعار.

الواقع أن القضايا المتعلقة بالملكية الفكرية والعلامات التجارية سوف تصبح "معقدة" على نحو متزايد بالنسبة للأجهزة، تماماً كما هي الحال الآن بالنسبة للبرمجيات والمحتوى. وسوف يضطر كثير من الناس إلى الانتقال من السيطرة على التصميم إلى تقديم خدمات أفضل لكسب المال، أو ربما يتحدون تحت علامة تجارية معينة معروفة بعنصر جودة آخر.

وقد تكون المواد من بين مثل هذه العناصر الفارقة، كما أوضحت شركة بادئة تسمى "الأجسام الناشئة". وكما هي الحال في عالم المحتوى والبرمجيات، فإن العلامات التجارية للتصميمات الجديدة من المرجح أن تظهر ثم تتوارى بسرعة أكبر؛ ذلك أن وتيرة التغيير سوف تتزايد وسوف يصبح البقاء على القمة لفترة طويلة أكثر صعوبة.

وخارج عالم التصنيع، حيث قد تظل السلع المنتجة بأعداد ضخمة محتفظة بميزة كبيرة في ما يتصل بتكاليف صنعها مقارنة بالسلع المطبوعة حسب الطلب، فإن الطباعة الثلاثية الأبعاد سوف تخلف تأثيراً أعظم كثيراً عند المصب، في سوق قطع الغيار والاستبدال، حيث يتعذر التنبؤ بحركة الطلب ولكنه يكون أكثر تحديدا. (فإذا كنت تريد أداة صغيرة، فإن أي أداة صغيرة سوف تفي بالغرض، ولكن بمجرد أن يصبح لديك القطعة 94303 على سبيل المثال، فإن القطعة 94303أ فقط هي التي قد تناسبك).

ومن بين الأمثلة المبكرة شركة (KeyMe.net)، الذي يجعل مفاتيح البيت تحت الطلب. ويحتفظ المستخدم بنسخة أصلية واحدة، يقوم بتسجيلها في موقع KeyMe، ثم يصبح بوسعه تخزين ذلك التصميم مجهلاً من الاسم في قاعدة بيانات KeyMe، مع القدرة المنفردة على الوصول إليها عن طريق بصمة الإصبع والبريد الإلكتروني (ولكن مع عدم الإشارة إلى العنوان الفعلي). ثم عندما يفقد مفتاحه أو يحتاج إلى نسخة إضافية، فبوسعه أن يحصل على نسخة جديدة من أي موقع للشركة ــ وقريباً سوف تكون هذه المواقع منتشرة وعديدة كما ترجو الشركة.

وتشكل التكاليف في المال (ناهيك عن الراحة) جزءاً صغيراً من تكاليف الذهاب إلى صانع مفاتيح تقليدي ــ وخاصة في الساعات التي تحدث فيها مثل هذه الطوارئ. والواقع أن KeyMe لا تستخدم الطباعة الثلاثية الأبعاد؛ بل إنها تقطع المفاتيح وتفرغها من كليشيهات بالطريقة "التقليدية"، ولكنها تستخدم نفس النوع من التصميم الإلكتروني الذي قد تخرجه الطباعة الثلاثية الأبعاد. والواقع أنني أعتبر هذه الطريقة بشيراً رائعاً للتأثير الكلي للطباعة الثلاثية الأبعاد ــ وهو ما من شأنه أن يجعل الإنتاج العَرَضي للنسخ الرخيصة من بنود معينة سهلاً ومتاحاً في أي مكان وفي أي وقت.

واليوم على سبيل المثال، هناك العديد من الشركات المخصصة لإدارة وتخزين قطع الغيار. وكل موقع لابد أن يحمل الآلاف من قطع الغيار المختلفة لأنه من غير الواضح أيها سوف يكون مطلوباً وفي مكان بالتحديد. ولكن في المستقبل، إذا تعطل شيء، فسوف يكون بوسعك أن تأخذه إلى أحد مراكز الطباعة الثلاثية الأبعاد لإعادة طباعته. والأفضل من هذا أن ذلك المركز سوف يتمكن من إعادة استخدام المواد في الجزء المكسور لديك ــ وهو ما من شأنه أن يوفر التكاليف والأعباء البيئية المترتبة على التخلص من الأشياء، وشحنها إلى مكان ما، وما إلى ذلك.

ولنتأمل هنا كابلات أجهزة أبل الكهربائية (البند الذي كثيراً ما أفقده)، والتي تشكل مصدراً ضخماً للربح لكل المشاركين في تصنيعها. ولكن هذا سوف يتغير. صحيح أن انخفاض التكاليف بالنسبة لي سوف يعني انخفاض ربح شخص ما في مكان آخر ــ وليس فقط شركة أبل.

وسوف تكون شركات الشحن من أكبر الخاسرين في هذا العالم (فضلاً عن ساحات الخردة، وشركات الخدمات اللوجستية، وعمليات إعادة التدوير المركزية). فعندما يصبح بالإمكان صنع الأشياء واستخدامها، ثم تتعطل أو تبلى، ثم يصبح في الإمكان إعادة تدويرها في مكان أقرب إلى البيت، فإن الحاجة إلى النقل تتضاءل إلى حد كبير. ولن تكون هناك حاجة إلى تسليم المواد المعاد تدويرها إلى مراكز معالجة مركزية ثم توجيهها إلى المصانع. ولن تكون هناك حاجة إلى صنع المنتجات في تلك المصانع ثم شحنها إلى العملاء أو مراكز الجرد.

الآن، تقدر قيمة المخزونات في الولايات المتحدة بواسطة المصنعين وتجار الجملة والتجزئة بنحو 1.7 تريليون دولار ــ أو نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي. ويشمل هذا العديد من الأشياء التي لا يمكن طباعتها بالأبعاد الثلاثية (في أي وقت قريب على الأقل)، ولكنها تشير إلى الكم الهائل من الأشياء الكاسدة التي تحيط بنا.

Fake news or real views Learn More

في الأمد القريب، فإن هذا يعني قدراً أعظم من الكفاءة والمزيد من عمليات إعادة التدوير الأسرع، التي تحدث محلياً وليس على مستوى مركزي. وفي الأمد البعيد فإن الطباعة الثلاثية الأبعاد سوف تسمح بالاستخدام الأكثر كفاءة للموارد المادية والانتشار الأسرع لأفضل التصاميم، وتحسين مستويات المعيشة في مختلف أنحاء العالم.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali