Getty Images

اعتماد سياسات عالمية من أجل عولمة الاقتصاد

 

واشنطن، العاصمة- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف العقد الأول من القرن 21، تطورت العولمة الاقتصادية بشكل سريع ومستمر من خلال انتشار التجارة ، والزيادة من التدفق الرأس مالي ووجود وسائل اتصال  أسرع ( وأقل تكلفة)  وبنسبة أقل، من خلال هجرة الأشخاص. ورغم تضاعف هذه العوامل المرتبطة ببعضها البعض وكونها أصبحت أكثر عمقا، بقي الاقتصاد العالمي في الأساس مجموعة من الاقتصادات الوطنية، أدمجت كل واحدة  على حدة في السياسات الوطنية. لكن هذا يتغير الآن.  

وفي الدول الديمقراطية التي أسست رأس مالية السوق التي تسيطر على العالم اليوم، من يضع القوانين المتعلقة باللبنات الأساسية للاقتصاد بما في ذلك  النظام الضريبي والنفقات العمومية وأطر العمل التنظيمية هي السلطة التشريعية ومن يفسرها هو النظام القانوني. وهذا يعطيها الشرعية ويعطيها كذلك  للأنشطة الاقتصادية التي تيسرها. 

ولكن هناك تحول يحدث الآن، حيث ترى الدول الصغيرة والمتوسطة المساحة أن الأسواق العالمية أهم من الأسواق الوطنية، وقريبا، ستتبنى الدول الكبيرة المساحة نفس التوجه. وفي غضون أقل من 10 سنوات، ستكون الأسواق العالمية الكبرى هي من يوفر رؤوس الأموال والتمويل والعمالة الماهرة بدلا من الأسواق الوطنية. وستصبح العديد من الشركات متعددة الجنسيات بشكل فعلي وسيكون مقرها الرئيسي في مكان واحد (من المحتمل أن يكون في مكان حيث يمكن تقليص الالتزامات الضريبية)، وستتم جزء كبير من عمليات الإنتاج والبيع في مكان آخر، بينما سيتم استقدام المدراء والعمال من جميع انحاء العالم. 

إن ظهور رأس مالية عالمية مثل هذه، وهي عملية بعيدة كل البعد من أن تكون كاملة، يدل على أن الأسواق لن تدمج بعد اليوم في السياسات أو الأنظمة المراقبة للعديد من الدول المستقلة. وإذا أردنا الحصول على النتائج المرغوبة، سيكون علينا إدماجها بشكل أكثر عمقا في المؤسسات العالمية وتنظيمها بشكل أكثر فعالية من طرف المؤسسات العالمية. 

ومن المؤكد أن المؤسسات الاقتصادية الدولية –بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والهيئات الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية كانت موجودة من قبل ولطالما كانت بمثابة منصات للدول الأعضاء لاعتماد القوانين المشتركة. وحصل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، على الخصوص، على  بعض من السلطة التنظيمية الفعلية في الاقتصاد الشامل وفي السياسة التجارية على التوالي.  

ولقد تم تفادي السياسات الداخلية في بناء هذه المؤسسات ودعمها. ورغم أن الخزائن والبنوك المركزية ووزارات التجارة-خاصة في الدول المتقدمة- تدخلت سياسيا، كان ذلك بالكاد دون مناقشات رسمية. وإلى يومنا هذا، يكاد يجهل المواطن العادي في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والهند ما تقوم به منظمة التجارة العالمية بالفعل. 

Subscribe now

Long reads, book reviews, exclusive interviews, full access to the Big Picture, unlimited archive access, and our annual Year Ahead magazine.

Learn More

وبمعنى آخر، لم  يدمج ظهور الأسواق العالمية في أية عملية سياسية تمنح الشرعية. وبالتالي فالمؤسسات المتعددة الأطراف تعتبر شعبوية لتصبح بالتالي مستهدفة سياسيا. وهذا يذكرنا ب"العجز الديمقراطي" للاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى مقاومة المزيد من الاندماج.   

وفي الواقع، تشهد مقاومة الرأس مالية العالمية ارتفاعا ملحوظا. حيث يدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على الخصوص، ما يشبه القومية الحديثة "لنذهب وحدنا ". وبدل تعزيز البنيات المتعددة الاطراف، فهو يرغب بتدميرها، و سحب الأسواق العالمية من المؤسسات التنظيمية التي دمجت فيها بشكل ضعيف في الأصل. وعلى المستويين الوطني والعالمي، يعتقد ترامب أنه كلما كانت هناك  قوانين أقل كلما كان الأمر أحسن. 

وفي نفس الوقت يتخذ الاتحاد الأوروبي الاتجاه المعاكس. فرغم التحديات التي يواجهها على المستوى الداخلي، لازال يحاول تنظيم الأسواق خارج حدوده. ففي غضون هذه السنة فقط، فرضت اللجنة الأوروبية غرامة  مالية تفوق 5 بليون يورو على شركة ألفا بيت، الشركة الأم لغوغل، وكالكوم على خلفية خرقهما لقوانين مكافحة الاحتكار. ونظرا لنظام حماية المعطيات العامة التابع له ، سعى الاتحاد الأوروبي إلى فرض قوانين صارمة  بخصوص استعمال المعطيات الشخصية ومشاركتها ومراقبتها.   

ولأن الاتحاد الأوروبي لديه سوق كبيرة كهذه، سيكون لهذه العوامل تأثير بعيد المدى. ولكن عندما يتعلق الأمر بوضع قوانين دولية، لا يرتقي الاتحاد الأوروبي إلى المستوى المطلوب. وما يؤكد هذا الأمر هو عندما يعمل أشخاص مثل  ترامب بطريقة تناقض  جهود الاتحاد الاوروبي وعندما يشجع نفس الشخص عدم التنظيم في وقت يحتاج فيه  ترابط الاقتصاد العالمي إلى العكس. 

إن السماح للشركات الكبرى المتعددة الأطراف ، التي ما تنفك تجني أرباحا طائلة وتحشد منافسين صغار خارج كل أشكال  الصناعات بالتهرب من  دفع الكثير من الضرائب سيحدث ضررا بعيد المدى من خلال الزيادة  من عدم المساوات وإضعاف الميزانيات العمومية. وبالمثل، إن السبيل الوحيد لرسم خارطة طريق من أجل محاربة آثار تغير المناخ هو أن تعمل كل الدول سويا. 

إن واقع الاقتصاد العالمي اليوم يتطلب أن نقوم بعمل مؤسساتي متعدد الأطراف. وهذا لا يعني فقط تعزيز سلطة المؤسسات القائمة- في هذه الحالة، يعتبر الإصلاح شرطا أساسيا- بل حتى بناء مؤسسات جديدة، مثل سلطة المنافسة العالمية. لكن لا شيء من هذا سيكون ممكنا دون مناقشة سياسية عالمية حقيقية. 

ومن المؤكد أن ظهور السياسات العالمية سيكون له آثار بعيدة المدى في المستقبل على الأفكار التقليدية المتعلقة بالديمقراطية، هذا دون ذكر السيادة الوطنية. ومع ذلك، سيؤدي السماح للأسواق العالمية بالعمل دون قوانين معتمدة تسنها المؤسسات الدولية الشرعية والفعالة، في نفس الوقت، إلى ترك جوهر الديمقراطية. 

ولقد جسد الخبير الاقتصادي في هافارد داني رودريك  التحدي المستقبلي على شكل ثلاثي: إذ عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية والسيادة الوطنية والعولمة، يمكن أن يكون لدينا إتنان فقط من هذه التشكيلة وليس الثلاثة معا. ويفضل رودريك أن تكون هناك عولمة أقل وديمقراطية أكثر. بينما يفضل القوميون مثل ترامب تعزيز  الدولة المستقلة بطريقة تمكن من إضعاف الديمقراطية والعولمة، على الأقل على المدى البعيد. 

إلا أنه على المدى المتوسط، ، يبدو أن ارتفاع مستوى العولمة أمر لا يمكن تفاديه، وهذا يعني  أنه من يجب أن يخضع للقيود هي الدولة المستقلة والسياسات الوطنية. والسبيل الوحيد لإعطاء الشرعية للسياسات العالمية الجديدة هي ضمان أن تكون مبررة على المستوى المحلي. وهذا سيتطلب من القادة السياسيين المحليين اعتماد طريقة يفسرون بها  كيف تؤثر المشاكل العالمية على مقوماتهم. وأنجح مثال على هذا النوع من السياسات العالمية التي أصبحت محلية هو تغير المناخ. 

وكيفما كان اختيار  الترتيبات  المؤسساتية  لضمان أن تكون السياسات العالمية الجديدة مصدر قوة وليس مصدر ضعف، تبقى الديمقراطية التحدي السياسي الرئيسي  للقرن الواحد والعشرين. ولا يمكننا  إنكار ذلك بعد الآن.\

Translated by Naaima Aabrouchترجمة نعيمة أبروش

http://prosyn.org/VLF2JP8/ar;

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.