10

سياسات الرعاية المحددة الجنس

واشنطن، العاصمة ــ في الولايات المتحدة، أصبحت الثورة من أجل المساواة بين الرجل المرأة عالقة عند منتصف الطريق. فعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، تغيرت الأدوار التي تلعبها المرأة إلى حد كبير، حيث بلغت نسبة مشاركة النساء الأميركيات في قوة العمل الآن 60%. غير أن أدوار الرجال لم تتزحزح قيد أنملة.

فبرغم الإصرار على تساوي الرجال والنساء في الكرامة والقيم، لا نزال ننظر إلى عمل الرجل التقليدي المتمثل في إعالة الأسرة مالياً باعتباره عملاً أكثر قيمة وأهمية من عمل المرأة التقليدي المتمثل في رعاية الأسرة. والنتيجة هي اختلال عميق في التوازن الاجتماعي والاقتصادي، على النحو الذي يعمل على إعاقة تقدم النساء والرجال على حد سواء.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ويتلخص حل هذه القضية في الإقلال من التركيز على النساء والتركيز بقدر أكبر على إعلاء قيمة الرعاية وتوسيع الأدوار والخيارات المتاحة للرجال. صحيح أن انتقاء وتعيين المزيد من النساء لتولي أدوار قوية يظل يشكل ضرورة أساسية. ولكن التركيز على النهوض بالمرأة لا يخلو من الانحراف المتمثل في الميل إلى تتبع عدد النساء اللاتي ارتفعن إلى القمة: نسبتهن الإجمالية في قوة العمل، ومتوسط رواتبهن، وكم منهن تقلدن منصب الرئيس التنفيذي، أو أصبحن بين كبار المديرين، والأساتذة المثبتين، والمصرفيين، والجراحين، والشركاء القانونيين، والبرلمانيين، والرؤساء، والوزراء.

أما التركيز على الرعاية فهو على النقيض من ذلك يفتح الباب أمام حل المشكلة المزدوجة المتمثلة في وصول قِلة من النساء إلى القمة وبقاء كثيرات منهن عند القاع. الواقع أن النساء الأميركيات يشغلن أقل من 15% من المناصب التنفيذية في شركات "فورتشن 500" ونحو 62% من وظائف الحد الأدنى للأجور. ونتيجة لهذا فإن واحدة من كل ثلاث نساء بالغات يعشن في فقر أو على حافة الفقر، وتصبح الصورة كئيبة بشكل خاص بالنسبة للأمهات العازبات، وفضلاً عن ذلك، يعمل ما يقرب من ثلثي النساء في وظائف بلا مستقبل وبأجور هزيلة ومن دون أي قدر من المرونة أو الفوائد والمكافآت.

والقاسم المشترك بين المجموعتين من النساء، وكل النساء بين المجموعتين، هو أنهن لا زلن يتولين المسؤولية الرئيسية عن تقديم الرعاية ــ للأطفال، والآباء، وغيرهم من أفراد الأسرة ــ في نظام يحط من قدر أعمال الرعاية التي يقمن بها ولا يقدم لهن أي دعم لأدائها. وبرغم أن النساء الثريات قادرات على شراء أعمال الرعاية باستئجار نساء أكثر فقرا، فإن كثيرات منهن يخترن أيضاً العمل بدوام جزئي أو في وظيفة مرنة من أجل توفير ما يحتاج إليه أطفالهن من التحفيز والتعليم.

ولكن التقدم الوظيفي في حالة العديد من النساء المحترفات يتعرض بشكل منهجي للعرقلة والتعويق إذا اخترن هذا ال��سار. فإذا قررت محامية أو مصرفية شابة تسلك مساراً وظيفياً واعداً مغادرة المكتب "في وقت مبكر" كل يوم لكي تكون في المنزل مع أطفالها لتناول الغداء، أو العمل بدوام جزئي، أو التوقف بشكل مؤقت عن العمل لكي تتفرغ لتقديم الرعاية لأسرتها، فإنها سرعان ما تستبعد من المنافسة على شغل الوظائف العليا. وإذا قررت تكريس نفسها للرعاية المتفرغة بعض الوقت، فإن ذلك الوقت يتحول إلى علامة سوداء على سيرتها الذاتية، أو ثقب يتعين عليها أن تحاول عبثاً إخفاءه أو تفسيره عندما تحاول العودة إلى سوق العمل.

وتواجه المرأة عند القاع واقعاً أشد قسوة. فمن المرجح أن تكون أماً عزباء منفردة ليس لديها خيار غير أن تكون المعيلة المنفردة والراعية الوحيدة لأسرتها. والواقع أن نصف الأمهات العازبات في الولايات المتحدة يكسبن أقل من 25 ألف دولار أميركي سنويا. ومقارنة بالآباء المنفردين في بلدان أخرى فإن معدلات الفقر بين الآباء المنفردين في أميركا هي الأعلى على الإطلاق بين البلدان الأخرى ذات الدخل المرتفع، وأنظمة دعم الدخل لديهم هي الأضعف.

ولا توفر أي من الولايات الأميركية الرعاية النهارية الميسرة، والتعليم المبكر، وبرامج ما بعد المدرسة التي تتولى تغطية فجوة الرعاية. بل توفر بضع ولايات فقط إجازة مدفوعة الأجر يستطيع أي عامل أن يستخدمها عندما يمرض أحد أطفاله. والنتيجة هي أن الأم التي تعول أطفالاً لابد أن تعمل على إيجاد شبكة غير مستقرة وغير جديرة بالثقة من مقدمي الرعاية على النحو الذي يعيق بشدة قدرتها على تحقيق النجاح في وظيفتها والخروج من دائرة الفقر.

وتسبق بلدان صناعية متقدمة أخرى الولايات المتحدة بأشواط في توفير بنية أساسية كاملة من الرعاية لمساعدة الأسر في الاستثمار في الجيل القادم فضلاً عن رعاية الآباء. والواقع أن كل الدول النامية تقريباً تسبق الولايات المتحدة على الأقل في اشتراط حصول العاملة على إجازة أمومة مدفوعة الأجر.

ولكن قبل أن يبالغ المراقبون الأجانب في العجرفة، دعونا ننظر في حل آخر لثورة أميركا غير المكتملة. إن تقدير الرعاية يعني تقديرها بالقدر الكافي لكي نتوقع من الرجل تحمل مسؤوليات الرعاية بنفس القدر الذي نتوقع به أن تتحمل المرأة مسؤوليات إعالة أسرتها.

بطبيعة الحال، يقوم أي زوجين بتقسيم مسؤوليات وأعمال الإعالة والرعاية وفقاً لظروفهما الخاصة وشخصيتيهما. وفي عالَم يساوي حقاً بين الجنسين، كان الرجال والنساء ليتعاملوا مع تقسيم العمل في هذا الصدد على نفس النحو الذي قد يقسم به شخصان من نفس الجنس العمل بينهما. فعندما يضع رجلان أو امرأتان تصوراً لكيفية توفير الدخل لأسرتهما وتوجيه هذا الدخل إلى الغذاء والمأوى والملبس والتنشئة والتعليم والانضباط والدعم الأخلاقي اللازم لتنشئة الأطفال، فمن غير الممكن أن يعتمدا على أدوار افتراضية يلزمهما بها المجتمع. بل يتحولون باتجاه معايير مختلفة: من الذي يجلب الدخل الأكبر؟ ومن الأكثر طموحا؟ ومن يعمل في الوظيفة الأكثر مرونة؟ ومن لديه رئيس عمل أو شركة تدعم بشكل أفضل التوفيق بين التزامات العمل والأسرة؟

الحق أن المواقف بشأن دور الذكر في رعاية الأسرة بدأت تتحول في الولايات المتحدة. فثلث الرجال فقط في الألفية الجديدة يؤمنون بالأدوار التقليدية لكل من الجنسين. وقد بدأت أكبر شركات التكنولوجيا في أميركا تتنافس للفوز بالمواهب من خلال تقديم إجازة الأبوة.

كانت البلدان الإسكندنافية وألمانيا رائدة في منح إجازة الأبوة في أوروبا، ورغم هذا فإن العديد من الرجال الأوروبيين (وبكل تأكيد، الآسيويين والأفارقة والهنود والأميركيين اللاتينيين) لا تزال الطريق طويلة أمامهم عندما يتعلق الأمر بالتخلص من المواقف التقليدية حول تقسيم العمل بين الذكر والأنثى. فالسماح للنساء بالالتحاق بقوة العمل شيء؛ واعتناق المساواة الكاملة وخلق مناخ ثقافي واقتصادي واجتماعي يشجع الرجل والمرأة على دعم كل منهما الآخر وأسرتهما بالتساوي من خلال المال والرعاية شيء آخر تماما.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

ولكن هذا هو العنصر الضروري لاستكمال العمل الناقص في الحركة من أجل تحقيق المساواة للمرأة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel