People walk past the New York Stock Exchange Drew Angerer/Getty Images

لماذا لا يشعر المستثمرون في السندات الأميركية بالفزع؟

لندن ــ في الوقت حيث يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تصعيد حربه التجارية مع الصين، وحيث يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، يبدو أن آفاق الاقتصاد العالمي والأسواق المالية، التي كانت مشرقة قبل بضعة أشهر، بدأت تُظلِم. فقد تراجعت أسواق البورصة في مختلف أنحاء العالَم نحو أدنى المستويات التي سجلتها في فبراير/شباط، وأصاب الضعفة ثقة الشركات في أوروبا وقسم كبير من آسيا، وبدأت علامات التوتر والعصبية تبدو على صناع السياسات في مختلف أنحاء العالَم. تُرى هل تكون هذه الأحداث بداية نهاية التوسع الاقتصادي العالمي، أو تكون الاضطرابات الأخيرة في السوق مجرد إنذار كاذب؟

في الشهر الماضي، ألقيت الضوء على ثلاثة مؤشرات ــ أسعار النفط، وأسعار الفائدة الأميركية الطويلة الأجل، وسعر صرف الدولار ــ مشيرا إلى أن الظروف العالمية ستظل حميدة. فقد يحذر أهل الاقتصاد من أن التركيبة التي تتألف من تدابير الحماية التي فرضها ترمب، والتخفيضات الضريبية الكبيرة، والاقتراض الحكومي غير الخاضع لأي ضابط أو رابط، والتي تأتي في وقت حيث يقترب الاقتصاد الأميركي بالفعل من التشغيل الكامل للعمالة، سوف تغذي في نهاية المطاف ضغوطا تضخمية. لكن الأسواق المالية لا تصدق هذه الرسالة ببساطة. ومنذ الاضطرابات المالية في أوائل فبراير/شباط، كانت الرسالة من السوق المالية الأكبر والأكثر أهمية ــ أو سوق سندات الحكومة الأميركية ــ أكثر بعثا عل الاطمئنان.

على الرغم من قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة القصيرة الأجل، والإشارة إلى المزيد من رفع أسعار الفائدة بما يتجاوز ما كان متوقعا لعام 2019، فإن أسعار الفائدة على سندات الخزانة الأميركية لعشر سنوات انخفضت إلى مستويات أدنى كثيرا من الذروة التي سجلتها في شهر فبراير/شباط. وأسعار الفائدة على سندات الثلاثين عاما الآن أقل من الذروة التي بلغتها في عام 2017 والتي كانت نحو 3.25%. وتشير تحركات أسعار الفائدة هذه إلى أن المستثمرين في السندات أصبحوا اليوم أقل قلقا من التضخم وفرط النشاط الاقتصادي مقارنة بحالهم قبل تخفيضات ترمب الضريبية، وتدابير الحماية، والتحول من ضبط الموازنة إلى التوسع المالي القوي.

ولا يعني عدم إظهار المستثمرين في السندات القلق بشأن التضخم أو فرط النشاط أن أمورا مثل نزوع ترمب إلى سياسات الحماية وإسرافه المالي لن تضر. فالأسواق المالية قد تكون خاطئة إلى حد كارثي في بعض الأحيان، كما كانت قبل الأزمة المالية في الفترة 2007-2008. لكن أسواق السندات في الولايات المتحدة ليست مجرد مؤشر للرأي المالي. فأسعار الفائدة الطويلة الأجل التي تحددها أسواق السندات تخلف تأثيرا كبيرا على ظروف الأعمال إلى الحد الذي يجعل التغيرات الطارئة على آراء المستثمرين كفيلة بالتأثير على الواقع الاقتصادي بقدر ما تؤثر على العكس.

في الوقت الحاضر، تتعارض وجهات نظر المستثمرين مع الواقع الاقتصادي تمام التعارض. ولا تقترب أسعار الفائدة الطويلة الأجل بنحو 3% من تسعير بنك الاحتياطي الفيدرالي للتضخم المستهدف بنسبة 2% بالإضافة إلى النمو الاقتصادي الحقيقي بنسبة 2% إلى 3% والتي كان من المرجح تحقيقها حتى قبل التحفيز المالي الكبير الذي أقرته إدارة ترمب. في الواقع، يشير كل من التحليل الاقتصادي وعقود من التجارب السابقة إلى أن أسعار الفائدة الطويلة الأجل تميل إلى التقلب حول معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وتشير هذه القاعدة ضمنا إلى أن أسعار الفائدة على سندات الثلاثين عاما تتراوح بين 4% إلى 5%. وإذا أُخِذَت الجهود التي يبذلها ترمب لتعزيز النمو الاقتصادي باتجاه 4% على محمل الجد، فإن أسعار الفائدة الطويلة الأجل لابد أن ترتفع منطقيا إلى 6% أو أعلى.

عاجلا أو آجلا، من المفترض أن تنغلق الفجوة بين عائدات السندات ونمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وإما أن يضعف النمو بشكل كبير، كما يتضح من توقعات سوق السندات، أو ترتفع أسعار الفائدة بشكل كبير، لأن توقعات سوق السندات تبين أنها خاطئة تماما.

What do you think?

Help us improve On Point by taking this short survey.

Take survey

ومع ذلك، لن يحدث أي من الأمرين بالضرورة في العام المقبل أو العامين المقبلين. ومن غير المرجح أن يضعف نمو الناتج المحلي الإجمالي، نظرا للحافز المالي الكبير، والثقة العالية من قِبَل الشركات والأعمال، والنمو القوي في الدخول الشخصية نتيجة لنمو الوظائف السريع.

ولكن ماذا عن عوائد السندات؟ إذا استمر الاقتصاد الأميركي في النمو كما هو متوقع، أفلن يكون من المحتم أن ترتفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى مستويات أعلى كثيرا، على النحو الذي يؤدي إلى انحراف اقتصاد الولايات المتحدة التي تفرط في الاعتماد على الاستدانة، وفي نهاية المطاف الاقتصاد العالمي بأسره، عن مساره الحالي الذي يتسم بالنمو القوي المستقر؟

يبدو هذا غير محتمل، على الأقل في العام المقبل، لأسباب عديدة مترابطة. فأولا وقبل كل شيء، كان الاعتقاد في "معتاد جديد" يتسم بالنمو الهزيل وانخفاض التضخم متأصلا بعمق بين المستثمرين والقائمين على البنوك المركزية. فبعد إنفاق العقد التالي لاندلاع الأزمة المالية في الهوس بشأن الركود المزمن وانخفاض الأسعار، سوف يحتاج المستثمرون والمسؤولون في بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى عدة أشهر أو حتى سنوات من الأدلة الثابتة على التضخم والنمو الأعلى لكي يقتنعوا بأن الظروف الانكماشية انقلبت بشكل حقيقي.

حتى عندما يقبل المستثمرون الحجة الفكرية لصالح العوائد الأعلى كثيرا على السندات، فإن فرض القيود التنظيمية على البنوك وصناديق التقاعد، إلى جانب التيسير الكمي في اليابان وأوروبا وأشكال أخرى من القمع المالي، من شأنه أن يضمن استمرار الطلب على السندات الحكومية بأسعار أعلى كثيرا من أي تقدير معقول للقيم الأساسية.

يتضخم التسعير المشوه الناجم عن الضغوط التنظيمية بفعل نوع من الاستجابة المشروطة بين المستثمرين في السندات. ومع انخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة على نحو مضطرد على مدار السنوات الثلاثين الماضية، كوفئ المستثمرون في السندات بشكل ثابت لتعاملهم مع كل زيادة مؤقتة في أسعار الفائدة كفرصة للشراء. وخلقت هذه التجربة ردة فعل لا إرادية "للشراء في فترات الانخفاض" والتي لا يمكن كسرها إلا من خلال عدة أشهر أو حتى سنوات من الخبرة السلبية. وكانت ردة الفعل هذه واضحة بقوة في الشهرين المنصرمين. وكلما تراجعت أسواق الأوراق المالية بشكل حاد، كما حدث في أوائل فبراير ومرة أخرى بعد إعلان ترمب عن عقوباته التجارية على الصين، أصبحت غريزة شراء السندات لا تقاوم، وارتفعت أسعار السندات، وساعدت التخفيضات الناجمة عن ذلك في أسعار الفائدة الطويلة الأجل على تثبيت استقرار أسواق البورصة.

عند مرحلة ما، سوف يتوقف السلوك اللاإرادي في أسواق السندات، وسوف تتحرك أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى مستويات أعلى كثيرا. ولكن إلى أن يحدث هذا، فإن اعتقاد المستثمرين الراسخ بأن التضخم المنخفض سمة دائمة للواقع الاقتصادي من شأنه أن يسمح للحكومة الأميركية بملاحقة سياسات تضخمية متزايدة القوة. وسوف تعمل أسعار الفائدة الطويلة الأجل المنخفضة بدرجة بالغة الغرابة، والتي تحددها أسواق السندات الراضية عن ذاتها، على توفير شبكة أمان للأسواق المالية العالمية ــ على الأقل إلى أن يتبين أن الشعور بالرضا عن الذات غير قابل للاستمرار.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/1VPrESj/ar;

Handpicked to read next

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated cookie policy and privacy policy.