Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

palacio102_Christian Thiel EyeEm Getty Images_EUflagsky Christian Thiel/EyeEm/Getty Images

أوروبا وضرورة تجنب التشاؤم

مدريد ــ خلال العقد الأخير، أصبحت التأملات والتنبؤات الواجبة في نهاية كل عام كئيبة وقاتمة على نحو متزايد. وهذا التشاؤم مفهوم: فقد كانت مستويات التفاوت بين الناس في ارتفاع حاد في قسم كبير من العالم؛ وكانت القيم الديمقراطية ومعايير الحكم تتآكل على نحو مضطرد؛ وعملت التكنولوجيا على تحويل مجتمعاتنا واقتصاداتنا بسرعة كبيرة إلى الحد الذي أدى إلى ارتباك كثيرين وشعورهم بانعدام الأمان. ولكن يتعين علينا أن نحرص على عدم السماح للتنبؤات القاتمة بالتحول إلى نبوءات تحقق ذاتها.

لنتأمل هنا حال الاتحاد الأوروبي. مع تراجع نفوذهم الدولي، أصبح الأوروبيون، كأفراد وأمم وكتلة، يشعرون بالعجز على نحو متزايد. وفي غياب رؤية موحدة للمستقبل، فَـقَـد الاتحاد الأوروبي حيويته وهمته وسقط ضحية للسلبية والخوف تحت ستار الحنين إلى الماضي.

لكن الماضي الذي يحن إليه العديد من الأوروبيين لم يكن له وجود في حقيقة الأمر، والحاضر الذي يتجنبونه ليس بالقدر من السوء الذي يبدو عليه: فلا تزال أوروبا قوة اقتصادية وتنظيمية عظمى، وتتمتع بإمكانات دبلوماسية هائلة. وإذا أدرك الأوروبيون هذه الحقيقة واستعادوا ثقتهم الجماعية في الذات، فإن مستقبلهم قد يكون مشرقا.

ربما تبدو دعوة الأوروبيين إلى "الإيمان بأنفسهم" ساذجة ومفرطة في التبسيط. لكنها تشكل شرطا أساسيا للعمل الفعّال. هذا لا يعني ملاحقة بعض البرامج الفيدرالية الكبرى أو بذل وعود غير واقعية، مثل تشكيل قوات مسلحة أوروبية. بل على العكس من ذلك، آخر ما يحتاج إليه الاتحاد الأوروبي هو الخطاب المحلق والتعهدات المستحيلة. فقد ساهم فشله في الوفاء بمثل هذه الوعود في الماضي في جلب هذا الشعور الساحق اليوم بالعجز والتشاؤم.

بدلا من ذلك، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق تقدم تدريجي ملموس لتعزيز مصداقيته. وهنا يكمن الأمل ــ بداية من المفوضية الأوروبية المثبتة حديثا بقيادة أورسولا فون دير لاين. على الرغم من انغماس المفوضية الجديدة في الخطاب المفخم المصطنع المألوف، فإنها تجسد أيضا درجة غير اعتيادية من الواقعية. ويتجلى هذا بأكبر قدر من الوضوح في اختيار رئيس ألماني لأول مرة منذ ستينيات القرن العشرين. فقد نبذ الاتحاد الأوروبي التظاهر بعدم وجود قوى بارزة داخل الكتلة، لصالح الاعتراف بأن الطريقة الوحيدة لإنجاز الأمور تتلخص في تأمين مشاركة الأعضاء المؤثرين.

علاوة على ذلك، أشار الاتحاد الأوروبي إلى استعداده لاستكشاف الترتيبات التعاونية المختلفة المحتملة لدفع أجندة السياسات. على سبيل المثال، هناك زخم متزايد لصالح مجلس الأمن الأوروبي، وهو الاقتراح الذي تقدمت به فرنسا وألمانيا، لتعزيز السياسة الخارجية الأوروبية ودعم التعاون الأمني مع المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

Subscribe now
Bundle2020_web

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

هذا هو الوضع الذي ستكون عليه المملكة المتحدة في القريب العاجل، بعد الانتصار الساحق الذي أحرزه حزب المحافظين بقيادة بوريس جونسون في الانتخابات الأخيرة. خاض جونسون حملته الانتخابية على وعد بإخراج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بحلول الحادي والثلاثين من يناير/كانون الثاني، والوفاء بهذا الوعد سيكون نتيجة جيدة. فبقدر ما يُـعَد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أمرا غير مرغوب، فإن إطالة هذه العملية لم تَـعُد بأي نفع على أي طرف. وإنهاء هذه الملحمة التي دامت ثلاث سنوات ونصف أخيرا من شأنه أن يسمح بقدر أعظم من الوضوح الاستراتيجي.

وربما يزول أيضا مصدر رئيسي آخر لعدم اليقين في العام المقبل: الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ربما لم تشهد أوروبا أي تطور أفضى إلى تغذية كل هذا القدر من انعدام الأمان بين الأوروبيين كهجمات ترمب النزوية المتقلبة على العلاقة بين ضفتي الأطلسي على مدار السنوات الثلاث الأخيرة. وإذا هُزِم ترمب في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فلن تعود العلاقة ببساطة إلى سابق عهدها قبل ترمب، لكن القدرة على توقع تصرفات الولايات المتحدة ستستعاد، وهو ما من شأنه أن يمكن الأوروبيين من تنفس الصعداء.

مع ذلك، حتى فوز ترمب من شأنه أن يوفر بعض القدر من الوضوح. فسوف يكون من الواضح أنه لم يعد من الممكن الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك استراتيجي. وبدلا من محاولة ترقب تصرفات ترمب، ناهيك عن الاعتماد عليه، سيصبح بوسع أوروبا أن تمضي قدما اعتمادا على ذاتها.

يتمثل سبب أخير للأمل في تحسن آفاق أوروبا في عام 2020 في إدراكها المتزايد للتهديد الذي تفرضه الصين الصاعدة على النظام الدولي الليبرالي. في شهر مارس/آذار، وصف الاتحاد الأوروبي الصين بأنها "منافس جهازي". وفي وقت سابق من هذا الشهر، في اجتماع قادة منظمة حلف شمال الأطلسي في لندن، ذهب الاتحاد الأوروبي إلى ما هو أبعد من هذا، فاعترف بأن صعود الصين يشكل "تحديا نحتاج إلى التصدي له معا كتحالف". وهذا يرفع الآمال في أن أوروبا لن يعميها وعد التمويل والاستثمار الصيني إلى الحد الذي يجعلها تفشل في إعلاء قيمها وحماية مصالحها البعيدة الأمد.

قد تكون التحديات التي تواجه أوروبا ــ بما في ذلك إدارة الهجرة ووضع استراتيجية جديدة في التعامل مع أفريقيا ــ هائلة، لكن التغلب عليها ليس بالأمر المستحيل. وسوف يتطلب التقدم رؤية استراتيجية، وإرادة سياسية، وتنفيذا فعّالا. لكنه يستلزم أولا قدرا أكبر كثيرا من الثقة في الذات.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

https://prosyn.org/Qh2c0Kwar;