1

كارثة زواج الأطفال

لندن ـ قبيل انعقاد قمة الأمم المتحدة لمراجعة التقدم الذي تم إحرازه على مسار تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، كان من المنطقي أن ينصب القدر الأعظم من التركيز على المجالات التي كانت المكاسب التي تحققت فيها هي الأكثر إحباطا. وعلى رأس قائمة هذه المجالات الفشل في تحسين صحة الأمهات في البلدان الأكثر فقرا.

ولقد شهدت الفترة الأخيرة الكثير من النقاش حول التزام البلدان الغنية بزيادة الأموال، وما إذا كانت الحكومات في بلدان العالم النامي تستخدم الموارد بطريقة فعّالة. ومن المؤسف أن أقل قدر من الاهتمام كان موجهاً لقضية زواج الأطفال والتأثيرات المدمرة التي يخلفها ذلك على صحة الملايين من الفتيات والنساء.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

وهناك أدلة دامغة تؤكد أن زواج الأطفال يشكل عائقاً كبيراً أمام إحراز التقدم فيما يتصل بستة أهداف على الأقل من الأهداف الإنمائية للألفية. والواقع أن الآمال العالمية فيما يتصل بالحد من الوفيات بين الأطفال والأمهات، ومكافحة عَرَض نقص المناعة البشرية المكتسبة/الايدز، وتوفير التعليم الأساسي للأطفال على مستوى العالم، تضررت بشدة لأن واحدة من كل سبع فتيات في بلدان العالم النامي تتزوج قبل أن تبلغ سن خمسة عشر عاما. كما يعمل زواج الأطفال على إحباط كل طموح فيما يتصل بالقضاء على الفقر المدقع وتعزيز المساواة بين الجنسين.

والواقع أن الإحصائيات واضحة إلى حد صارخ. ففي البلدان الفقيرة سنجد أن الأطفال المولودين لأمهات دون سن ثمانية عشر عاماً أكثر عُرضة بنسبة 60% للموت في عامهم الأول مقارنة بالأطفال المولودين لنساء أكبر سنا. والفتيات دون سن خمسة عشر عاماً أكثر عُرضة بما لا يقل عن خمسة أمثال مقارنة بالنساء في العشرينيات من أعمارهن للموت أثناء الحمل والولادة. والواقع أن الافتقار إلى المعلومات، والزواج برجال أكبر سنا، وعدم القدرة على الاستعانة بالممارسات الجنسية الآمنة، من الأسباب التي تعرض الزوجات في سن الطفولة لقدر أعظم من خطر الإصابة بعدوى الايدز مقارنة بأقرانهن غير المتزوجات.

فضلاً عن ذلك فإن الزوجات في سن الطفولة من الأرجح أن يتسربن من المدارس للتركيز على الأعمال المنزلية وتربية الأطفال. ولكن هذا التحيز ضد تعليم الفتيات يبدأ في سن أصغر. ففي المجتمعات التي تشتهر بتزويج الفتيات في سن مبكرة عادة يصبح من غير المنطقي أن تستثمر الأسرة في تعليمهن.

إن الفقر هو المحرك الرئيسي لزواج الأطفال. ففي العديد من البلدان والمجتمعات الفقيرة، يُعَد تزويج إحدى البنات وسيلة للتخفيف عن الأسرة بإراحتها من تكاليف إطعام فم إضافي. ويشكل مهر العروس أيضاً دخلاً إضافياً تستعين به الأسر الفقيرة على قضاء حوائجها.

وكل هذا يخلف تأثيراً مدمراً بين الأجيال. فالأطفال الذين يولدون لفتيات حصلن على تعليم هزيل يميلون إلى الأداء السيئ في المدارس والحصول على دخول أدنى في حياتهم كبالغين، الأمر الذي يؤدي إلى إدامة دورة الفقر.

والواقع أن زواج الأطفال قد يكون وارداً في مختلف أنحاء العالم، ولكنه شائع بشكل خاص في جنوب آسيا وأجزاء من البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا. ففي بنجلاديش تبلغ معدلات زواج الأطفال 65%، وفي الهند 48%، وفي النيجر 76%، وفي تشاد 71%. وطبقاً لبعض التقديرات فإن عدد الفتيات اللاتي سوف يتزوجن قبل بلوغ سن ثمانية عشر عاماً لن يقل عن مائة مليون في غضون العقد القادم فقط.

وقد يتصور المرء أن التصدي لمسألة زواج الأطفال لابد وأن يكون من بين أهم الأولويات على الأجندات الوطنية والعالمية، نظراً لتوفر الأدلة الدامغة التي تؤكد الأضرار التي يفرضها الزواج المبكر على الأفراد والمجتمعات. ولكن التفاوت بين حجم وخطورة المشكلة وبين الاهتمام الموجه إلى هذه المشكلة كبير إلى حد مذهل.

ونحن نفهم بطبيعة الحال الأسباب التي قد تحمل البعض على العزوف عن التدخل فيما يُعَد تقليدياً شأناً أسريا. ونحن ندرك أن زواج الأطفال يشكل تقليداً ضارباً بجذوره في العديد من المجتمعات ـ وكثيراً ما يقره الزعماء الدينيون. ولن يكون التغيير سهلا.

وهناك بعض الأدلة التي تشير إلى انحدار معدلات زواج الأطفال في بعض أجزاء العالم، وذلك بفضل الحملات الشعبية المتواصلة وتوفر الفرص الاقتصادية الجديدة للنساء. ولكن بمعدل التقدم الحالي فقد يستغرق الأمر مئات السنين قبل أن تختفي هذه الظاهرة. ويتلخص التحدي الرئيسي هنا في مساعدة المجتمعات على التعجيل بالتغيير.

ولهذا السبب فقد ألزمنا أنفسنا في مجلس الحكماء بلفت أنظار العالم إلى الضرر الشديد الناجم عن زواج الأطفال، ودعم جهود هؤلاء الذين يعملون من أجل وضع حد لزواج الأطفال. وهذا يعني تركيزاً جديداً على المشاركة، والحوار، والتعليم ـ وخاصة على المستوى المجتمعي.

ونحن نسعى بقوة الآن إلى توسيع نطاق مشاركة الزعماء الدينيين في التصدي لهذه القضية. والواقع أننا لا نعرف أي دين يشجع صراحة على زواج الأطفال. ويرجع تأييد الزعماء الدينيين لزواج الأطفال في الكثير من المجتمعات إلى العادات والتقاليد وليس العقائد الدينية. ولكن لا يجوز لنا أن نسمح لتحريف التعاليم الدينية والأعراف والتقاليد الراسخة بالعمل كعذر لتجاهل حقوق الفتيات والنساء، وترك مجتمعاتهم أسيرة للفقر.

وما تعلمناه على مر السنين هو أن أي تغيير اجتماعي بهذا الحجم لا يمكن فرضه من الأعلى. فالقوانين تكاد تكون غير مؤثرة. فالغالبية العظمى من بلدان العالم تجرم تزويج الأطفال من خلال التشريعات المحلية والعديد منها وقعت على المعاهدات الدولية التي تحظر تزويج الأطفال. ولكن هذا لم يترجم إلى تغيير على أرض الواقع. ففي زامبيا على سبيل المثال يبلغ السن القانوني للزواج 21 عاماً، ورغم ذلك فإن 42% من الفتيات يتزوجن ببلوغهن ثمانية عشر عاماً، وما يقرب من فتاة من بين كل 12 تتزوج ببلوغها خمسة عشر عاماً من العمر. وهناك أيضاً تناقضات مماثلة في العديد من البلدان.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لقد بات من الأهمية بمكان أن تأخذ السلطات القوانين في هذا السياق على محمل الجد، ولكن التغيير لن يكون أسرع إلا حين تدرك المجتمعات أن القيمة الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في تعليم الفتيات تتجاوز السعر الذي تتقاضاه الأسرة في مقابل تزويج صغار فتياتها (المهر). وهذا يتطلب المناقشة المتأنية، والزعامة الواعية، وتوفير المعونة المالية اللازمة لإبقاء الفتيات في المدارس. ويتعين علينا أيضاً أن نقدم المزيد من الدعم على المستويات المجتمعية والوطنية والدولية للجماعات التي تعمل من أجل وضع حد لهذه الممارسة.

وفي المقام الأول من الأهمية، يتعين علينا أن ندرك تمام الإدراك أننا لن نتمكن من تحسين حياة النساء والفتيات الأكثر فقراً وتهميشاً ما لم نعالج أولاً وبشكل مباشر ومفتوح التأثيرات المترتبة على زواج الأطفال ـ وما لم نلتزم بإنهاء هذه الممارسة.