Bank of England Stefan Rousseau/PA/Getty Images

البنوك المركزية في قفص الاتهام

لندن ــ في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1997، اتخذ بنك إنجلترا خطوة كبيرة نحو الاستقلال، بفضل القراءة الثانية في مجلس العموم لمشروع قانون يقضي بتعديل قانون البنك الذي يرجع لعام 1946. وقد منح مشروع القانون تصديقا تشريعيا للقرار الذي اتخذه وزير المالية آنذاك جوردون براون بتحرير عمليات البنك المركزي من السطوة الحكومية. وقد كانت هذه الخطوة بمثابة حدث بارز لمؤسسة ظلت تحت قبضة الحكومة لنصف قرن. كما جسدت كيفية تحول الحاجة لاستقلال البنوك المركزية إلى منطق بسيط وأساسي.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

غير أن هذا المنطق أضحى موضعا للتساؤل حاليا في أماكن عدة، وليس في بريطانيا وحدها. ففي الأوقات التي كان التضخم فيها يمثل الخطر الحقيقي والقائم، كان طبيعيا أن تُفوَّض السياسات النقدية إلى مسؤولي البنوك المركزية المحافظين المعزولين عن الضغوط لتمويل عجز الموازنة الحكومية. أما اليوم، نجد أن المشكلة تكمن في أمر مناقض تماما، وهو عجز البنوك المركزية عن رفع التضخم إلى المستويات المستهدفة.

ويستوجب تحقيق ذلك تعاونا بين صانعي السياسات النقدية والمالية، بما في ذلك السماح للبنك المركزي، الذي يواجه صعوبات جمة، بطباعة النقد لسد عجز الموازنة. لكن عندما يتعلق الأمر بالتعاون مع السلطات المالية، يصير استقلال البنك المركزي عائقا، وليس عاملا مساعدا.

كذلك كان الدفاع عن الاستقلال أيسر عندما كانت مهمة مسؤولي البنك المركزي محصورة في الحفاظ على انخفاض واستقرار معدلات التضخم. فمع الاقتصار على هذه المهمة الضيقة، كانت عواقب التوزيع المتعلقة بقرارات البنك المركزي محدودة. كما كان توضيح مدى ارتباط أدوات السياسات لأي بنك مركزي بالأهداف الموكلة إليه سياسيا أسهل.

لكن بعدما أعلت الأزمة المالية العالمية من مخاطر تفويض السياسة النقدية والمالية إلى منصتين منفصلتين، اكتسبت البنوك المركزية مسؤوليات إضافية. وأصبح لمسألة تقرير إنقاذ أي مؤسسة مالية بعينها من عدمه، سواء لضمان الاستقرار الجهازي أو لأسباب أخرى، عواقب واضحة بالنسبة للمستثمرين الأفراد.

ينطبق الأمر ذاته على التدخلات غير التقليدية في الأسواق بالنسبة لسندات الشركات والسندات المضمونة بالرهن العقاري. ولم يكن مفاجئا أن تتحول فكرة استقلال البنوك المركزية سريعا إلى فكرة ضارة وخطرة سياسيا، وهي التي ساعدت بشكل واضح مؤسسات مالية بعينها، وذلك في وقت كان المجتمع ككل يقع تحت وطأة ضغط اقتصادي غير مسبوق.

بل إن الاستقلال يعد أكثر إشكالية في عصر أضحت فيه الآثار العرضية العابرة للحدود والمترتبة على السياسات النقدية الوطنية قوية. فمثل هذه الآثار تستوجب من البنوك المركزية أن تضع في حسبانها تأثير سياساتها على الدول الأجنبية والنظام العالمي. لكن عندما تعمل البنوك المركزية بموجب هذا النوع من الصلاحيات الضيقة التي يستوجبها الاستقلال والتي تتركز على الداخل المحلي، يصبح السعي لتحقيق الأهداف العالمية صعبا، إن لم يكن مستحيلا.

واليوم نجد هجوما على البنوك المركزية لكل هذه الأسباب التالية: لإخفاقها في الوصول إلى مستويات التضخم المستهدفة، وإخفاقها في الحفاظ على الاستقرار المالي، وإخفاقها في استعادة الاستقرار بطرق شفافة، ولعدم وضعها التداعيات العالمية لسياساتها في الحسبان بالقدر الكافي. وفي ظل عدم الرضا عن أداء البنوك المركزية، يسعى الساسة لإعادة تأكيد سيطرتهم عليها.

ومن ثمّ نرى هجوما على بنك إيطاليا لطريقة معالجته للأزمة المصرفية في البلاد. ونسمع عن انتقادات لبنك إنجلترا لتعبيره عن مخاوفه من تداعيات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي على الاقتصاد الكلي. ونواجه تكهنات بشأن عزم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ملء مجلس الاحتياطي الفدرالي بمعينين منقادين له سياسيا.

لكن تعريض استقلال البنوك المركزية للخطر بهدف تقوية المساءلة السياسية قد يكون بمثابة التضحية بالصالح مع الطالح والغث مع السمين. فالسياسات النقدية أمر معقد وفني، وإعادة السيطرة إلى السياسيين لا تقل حماقة عن تسليمهم مفاتيح المفاعلات النووية لأي دولة.

سيقول البعض إن الطريقة المثلى لأن تضمن البنوك المركزية استقلالها هي التخلي عن سياسات الاحتراز أو التحوط المالي الكلي والجزئي، ونبذ التدخلات غير التقليدية في أسواق الأوراق المالية. لكن كان من بين الدروس الكبرى المستفادة من الأزمة أن تنسيق سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية المتداخلة بشكل كثيف يكون أكثر فعالية وتأثيرا عندما تُوطَّن المهمتان في نفس المؤسسة، إذا كانت تتولاهما لجان منفصلة. إضافة إلى ذلك، فإنه نظرا للانخفاض السائد في أسعار الفائدة، فمن المؤكد تماما عند حدوث أزمة أخرى أن تعود السياسات غير التقليدية مجددا.

وقد صار بوسع البنوك المركزية أن تتخذ إجراءات أكثر وضوحا وشفافية لمنع كل ما يتهدد استقلالها. إذ يمكنها الإعلان عن أصوات أعضاء مجلس إدارة البنك تفصيلا بشأن كل الأمور المتعلقة بالسياسات والكشف عن محاضر الجلسات دون تأخير غير مبرر. كما يمكنها عقد المزيد من المؤتمرات الصحفية وأن تصبح أقل نمطية وتكرارا في شرح سياساتها، وأن تبتعد عن إلقاء المواعظ عند تناول المسائل والقضايا الخارجة عن صلاحياتها، وأن تعترف بحق السياسيين في تحديد الأهداف التي تُكَلَّف البنوك المركزية بتنفيذها.

ولقولبة آراء هؤلاء السياسيين، يمكن للبنوك المركزية التوضيح بشكل أفضل مدى أهمية التعاون مع الهيئات المالية والبنوك المركزية الأجنبية للصالح العام. كما يمكنها نشر حسابات مالية أكثر تفصيلا، بما في ذلك المتعلقة بتعاملات الأوراق المالية الفردية والأطراف الأخرى في تلك التعاملات.

وفوق هذا وذاك، يمكنها تحاشي التدخل في السياسات البرلمانية، كما حدث عندما عجّل البنك المركزي الأوروبي بسقوط حكومة سيلفيو برلسكوني في إيطاليا عام 2011. فعند أمور كهذه، يمكنها أن تنأى بنفسها عن المشاحنات وتتمنى الأفضل.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/Dq4cicm/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now