A Spanish policeman tries to avoid clashes between people holding Spanish flags Jorge Guerrero/Getty Images

أزمة إسبانيا فرصة لأوروبا

أثينا ــ ربما يكون الصراع البغيض بين حكومة كتالونيا الإقليمية والدولة الإسبانية هو على وجه التحديد ما أمر به الطبيب لإنعاش المشروع الأوروبي المريض. إن الأزمة الدستورية الحالية في إحدى دول الاتحاد الأوروبي تخلق فرصة ذهبية لإعادة تشكيل الحكم الديمقراطي للمؤسسات الإقليمية والوطنية والأوروبية، وبالتالي تسليم اتحاد أوروبي مستدام ويمكن الدفاع عنه.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

كانت استجابة الاتحاد الأوروبي الرسمية لعنف الشرطة خلال استفتاء كتالونيا على الاستقلال بمثابة تقصير وإهمال في أداء الواجب. ومن قبيل النفاق الواضح أن نعتبر ما يجري هناك، كما فعل رئيس المفوضية الأوروبية، شأنا داخليا يخص إسبانيا ولا يملك الاتحاد الأوروبي التدخل فيه.

بطبيعة الحال، كان النفاق لفترة طويلة في صميم سلوك الاتحاد الأوروبي. فلم يشعر مسؤولوه بأي وخز ضمير عندما تدخلوا في الشؤون الداخلية لواحدة أو أخرى من الدول الأعضاء ــ ولنقل للمطالبة بإزالة مسؤولين سياسيين منتخبين أو رفض خفض المعاشات التقاعدية لأفقر مواطنيها أو بيع أصولها العامة بأسعار مضحكة (وهو أمر واجهته شخصيا). ولكن عندما تدين الحكومتين المجرية والبولندية صراحة المبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي، يُصبِح مبدأ عدم التدخل مقدسا فجأة.

تمتد جذور المسألة الكتالونية عميقا في التاريخ، وهذا شأن القومية في عموم الأمر. ولكن هل كانت لتندلع كما حدث مؤخرا لو لم تسئ أوروبا معالجة أزمة منطقة اليورو منذ عام 2010، فتفرض الركود شبه الدائم على إسبانيا وبقية الدول الواقعة على أطراف أوروبا في حين تمهد الساحة لكراهية الأجانب والهلع الأخلاقي عندما بدأ اللاجئون يعبرون حدود أوروبا الخارجية؟ هناك من الأمثلة ما يوضح هذا الارتباط.

برشلونة، عاصمة إقليم كتالونيا الرائعة، مدينة غنية تدير فائضا في الميزانية. ومع ذلك، واجه العديد من مواطنيها مؤخرا الإخلاء من مساكنهم من قِبَل البنوك الإسبانية التي جرى إنقاذها بأموال الضرائب التي يدفعونها. وكانت النتيجة تشكيل حركة مدنية نجحت في يونيو/حزيران 2015 في انتخاب ايدا كولاو لمنصب عمدة برشلونة.

وقد تعهدت كولاو لمواطني برشلونة، بين أمور أخرى، بخفض الضرائب المحلية المفروضة على الشركات الصغيرة والأسر، ومساعدة الفقراء، وإنشاء المساكن لنحو خمسة عشر ألف لاجئ ــ وهي حصة كبيرة من إجمالي العدد الذي كان المفترض أن تستوعبه إسبانيا من دول المواجهة مثل اليونان وإيطاليا. وكان تحقيق كل هذا واردا مع الحفاظ على دفاتر المدينة متوازنة في الوقت نفسه، من خلال تقليل الفائض في الميزانية البلدية ببساطة.

من المؤسف أن كولاو سرعان ما أدركت أنها تواجه عقبات لا يمكن التغلب عليها. فقد أصدرت الحكومة المركزية في إسبانيا، مستشهدة بالتزامات الدولة بموجب توجيهات التقشف الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، تشريعا يحظر فعليا على أي بلدية خفض فائضها. في الوقت نفسه، منعت الحكومة المركزية دخول اللاجئين الخمسة عشر ألفا الذين بنت لهم كولاو مرافق سكنية ممتازة.

حتى يومنا هذا، تظل الغَلَبة للفائض في الميزانية، ولم يتم تسليم الخدمات والتخفيضات الضريبية الموعودة، ولا يزال إسكان اللاجئين الاجتماعي خاويا. والطريق من هذه الحال المؤسفة إلى إعادة تنشيط النزعة الانفصالية في كتالونيا شديد الوضوح.

في أي أزمة جهازية شاملة، يخلق الجمع بين التقشف للغالبية، والاشتراكية للمصرفيين، وخنق الديمقراطية المحلية حالة من اليأس والسخط، الأكسجين الذي تتغذى عليه النزعة القومية. ويجد التقدميون المناهضون للقومية، من أمثال كولاو، أنفسهم محاصرين من الجانبين: مؤسسة الدولة السلطوية التي تستخدم توجيهات الاتحاد الأوروبي كغطاء لسلوكها من جانب، وعلى الجانب الآخر صعود التعصب الراديكالي، والعزلة، ومعاداة المهاجرين الرجعية. وكل من الأمرين يعكس الفشل في الوفاء بوعد الرخاء المشترك على مستوى الاتحاد الأوروبي.

تزودنا كاتالونيا بدراسة حالة ممتازة لمعضلة أوروبا الأعرض. فالاختيار بين دولة إسبانية استبدادية، والقومية التي تحمل شعار "جعل كتالونيا عظيمة مرة أخرى" يعادل الاختيار بين جيروين ديسلبلوم رئيس المجموعة الأوروبية بين وزراء مالية منطقة اليورو، ومارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا: التقشف أو التفكك.

يتعين على الأوروبيين التقدميين أن يرفضوا الأمرين: المؤسسة العميقة على مستوى الاتحاد الأوروبي والقوميات المتنافسة التي تدمر التضامن والحس السليم في الدول الأعضاء مثل إسبانيا.

والبديل هو إضفاء الطابع الأوروبي على حل المشكلة الناجمة إلى حد كبير عن الأزمة الجهازية في أوروبا. وبدلا من عرقلة الحكم الديمقراطي على المستويين المحلي والإقليمي، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعمل على تعزيزه. ومن الممكن تعديل معاهدات الاتحاد الأوروبي لتكريس حق الحكومات الإقليمية ومجالس المدن، مثل كتالونيا وبرشلونة، في الحصول على الاستقلال المالي بل وحتى إنشاء أموال ضريبية خاصة بها. ومن الممكن السماح لها أيضا بتنفيذ سياساتها الخاصة بشأن اللاجئين والهجرة.

وإذا ظلت المطالبة بدولة مستقلة والانفصال عن الدولة المعترف بها دوليا قائمة، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يستحضر مدونة السلوك في حالات الانفصال. على سبيل المثال، بوسع الاتحاد الأوروبي أن يقرر الموافقة على الاستقلال على الاستفتاء إذا كانت الحكومة الإقليمية التي تطالب به فازت بالفعل في انتخابات بأغلبية مطلقة استنادا إلى برنامج انتخابي شمل الوعد بعقد الاستفتاء. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن يُعقَد الاستفتاء بعد عام واحد على الأقل من الانتخابات، للسماح بالمناقشة الرصينة الواجبة.

أما عن الدولة الجديدة، فيجب أن تلتزم بالحفاظ على نفس مستوى التحويلات المالية التي كانت من قبل على الأقل. فقد تنفصل منطقة فيميتو الغنية عن إيطاليا، على سبيل المثال، ما دامت تحافظ على تحويلاتها المالية إلى الجنوب. وعلاوة على ذلك ينبغي منع الدولة الجديدة من إقامة حدود جديدة وإجبارها على ضمان حق سكانها في الحصول على جنسية ثلاثية (جنسية الدولة الجديدة، وجنسية الدولة القديمة، والجنسية الأوروبية).

تُعَد أزمة كتالونيا إشارة قوية من التاريخ إلى أن أوروبا تحتاج إلى تطوير نوع جديد من السيادة، يعمل على تعزيز المدن والمناطق، وتذويب الذاتية الوطنية، ودعم المعايير الديمقراطية. وسوف تعود الفوائد المباشرة على أهل كتالونيا وأيرلندا الشمالية، وربما أهل اسكتلندا (الذين يحصلون بهذه الطريقة على الفرصة للخروج من بين فكي الخروج البريطاني). ولكن أوروبا ككل هي المستفيد الأكبر في الأمد الأبعد من هذا النوع الجديد من السيادة. والواقع أن تصور ديمقراطية تشمل أوروبا بالكامل يمثل شرطا أساسيا لتصور أوروبا التي تستحق الإنقاذ.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/vVyOjfn/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now