Anti-Brexit demonstrator holds the EU and UK flags outside the Houses of Parliament DANIEL LEAL-OLIVAS/AFP/Getty Images

جسور لندن لا تقود إلى شيء

لندن- قام وزير الخارجيه البريطاني بوريس جونسون في الأسبوع الماضي بإعادة إحياء مقترح قديم بإنشاء جسر بطول 22 ميل عبر القنال الإنجليزي ولكن سخرية المقترح لم تمر مرور الكرام فجونسون يدعو لإنشاء جسر خيالي في الوقت الذي يدمر الجسر الوحيد الحقيقي بين الجزر البريطانيه والقاره الأوروبيه أي الإتحاد الأوروبي.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

إن مقترح جونسون المتعلق بالجسر يظهر مجددا أن البرنامج الكامل لمؤيدي الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي "بريكست " يعتمد في الأساس على الإنكار الدائم للوقائع على الأرض ففي ديسمبر تظاهرت المفوضيه الأوروبيه بالقبول وسمحت لرئيسة الوزراء البريطانيه تيريزا ماي بالإدعاء بإن من الممكن التوصل إلى ثلاثة أهداف متناقضه تتعلق بالخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي.

إن الهدف الأول لبريطانيا هو الإحتفاظ بحدود "ناعمه "وتجاره سلسله مع جمهورية إيرلندا والتي ستبقى دوله عضو في الإتحاد الأوروبي وتخضع لإحكام السوق الموحده الأوروبية والإتحاد الجمركي. إن الهدف الثاني هو تأسيس أحكام تنظيميه متطابقه في طول المملكه المتحده وعرضها بما في ذلك إيرلندا الشماليه والهدف الثالث هو "إستعادة السيطره" بالخروج من السوق الموحده والإتحاد الجمركي والسلطه القضائيه لمحكمة العدل الأوروبيه .

إن تحقيق هدفين من تلك الإهداف الثلاثه يبدو ممكنا ولكن لا أحد يعرف كيف يمكن تحقيق جميع تلك الأهداف الثلاثه ولكن مهما يكن من أمر فإن مفاوضي الإتحاد الأوروبي والمملكه المتحده يمضون قدما الآن للمرحله الثانية من عملية بريكست بدون تسوية المعضله الثلاثية للمرحلة الأولى وفي واقع الأمر يتوقع خبراء في المفوضيه الأوروبيه أن الجوله القادمه من المفاوضات ستقود لثلاث إتفاقيات مع المملكة المتحدة بحلول أكتوبر 2018 .

إن الإتفاقية الأولى ستعمل على تسوية بنود الطلاق فعلى الرغم من الغموض المتعلق بإيرلندا الشماليه ، إلا أن المفاوضين بدأوا بالتوافق على القضايا المهمه الأخرى بما في ذلك حجم فاتورة الخروج البريطاني والحقوق المستقبلية لمواطني الإتحاد الأوروبي في بريطانيا والمواطنين البريطانيين في الإتحاد الأوروبي.

ستعمل الإتفاقيه الثانيه على تأسيس عمليه إنتقاليه ثابته بحيث تحتفظ المملكة المتحدة بجميع مزايا عضوية الإتحاد الأوروبي ولكن أيضا الإلتزامات مثل المساهمة في ميزانية الإتحاد والسماح بحرية حركة الناس والإلتزام بإحكام المحكمة الأوروبيه . إن الإختلاف الجوهري هو أن المملكه المتحده ستخسر صوتها على الطاوله وبالنسبة للبريطانيين في معسكر المؤيديين للبقاء في الإتحاد الأوروبي فإن مثل هذه العمليه الإنتقاليه ستسمح للمملكه المتحده بالبقاء في الإتحاد الأوروبي في كل شيء عدا الإسم وبالنسبة لبعض البريطانيين في المعسكر المؤيد للخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي فإن هذه طريقه للخروج بدون السقوط من حافة الهاويه.

إن الإتفاقيه الثالثه في المرحله الثانيه ستتركز حول خارطة طريق للعلاقات البريطانيه مع الإتحاد الأوروبي بعد سنة 2021 وهذا لا يعني وجود إتفاقية تجاره حره ولكن إعلان سياسي عن المستقبل المنشود لكلا الطرفين والمرجح أن الصفقه الناتجه عن ذلك ستكون قائمه على تصور وجود ترتيبات تجاريه مستقبليه مبنيه على نموذج الإتفاقيه الإقتصاديه والتجاريه الشامله بين كندا والإتحاد الأوروبي بالاضافة الى الإتفاقيات المتعلقة بالسياسه الخارجية والأمن والإرهاب وتطبيق القانون.

ولكن هذا يثير المخاوف نفسها كما في المرحله الأولى . لو لم تجد الحكومه البريطانيه نفسها مضطره لتفسير خطتها على المدى الطويل بالتفصيل فإن هذا يمكنها من المراوغه فيما يتعلق بكيفية تحقيق تقدم في هذا الخصوص وفي واقع الأمر عندما تبدأ العمليه الإنتقاليه الثابته فإن من المستحيل تجنب المحاسبه التي ستحصل بين الجماعات المختلفه ضمن مؤيدي ومعارضي الخروج البريطاني من الإتحاد الأوروبي في البرلمان البريطاني وحتى لو كانت هناك خطه طويلة المدى تحظى بقبول البرلمانيين البريطانيين ،فإن من غير المرجح أن تحظى تلك الخطه بقبول البرلمانيين والناخبين على الجانب الآخر من القنال.

وفي وقت تتصاعد فيه المشاعر المعاديه للعولمه فإن من غير المرجح أن توافق الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي على أي صفقه تجاريه يمكن أن تؤثر سلبا على رفاهيتهم الإجتماعيه والماليه وبينما جميع اتفاقيات الإتحاد الأوروبي السابقه كانت تهدف لتحقيق التقارب بين الإتحاد الأوروبي وطرف ثالث فإن صفقه بين الإتحاد الأوروبي وبريطانيا ستتجه إلى منع الإختلافات. إن ميشيل برينر وهو كبير مفاوضي الإتحاد الأوروبي كان صريحا فيما يتعلق بهذه النقطه حيث قال أن السؤال الكبير هو ليس ما إذا كانت بريطانيا ستخرج من الإتحاد الأوروبي بل هو ما إذا  كانت بريطانيا "ستلتزم بالنموذج الأوروبي " بالنسبة للقواعد والأنطمه.

لقد كان من السهل بالنسبه للسياسيين والنشطاء في أوروبا معارضة إتفاقية الشراكة التجاريه والإستثماريه عبر الأطلسي وهي صفقه كبيره جدا تستهدف الدفاع عن المقاييس التجاريه الغربيه في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد ولكن سيكون أسهل بكثير إطلاق حملات ضد أي صفقه مع المملكه المتحده وذلك نظرا لإن الشخصيات الرئيسيه على جانبي الطيف السياسي البريطاني يشكلان تهديدا للنموذج الأوروبي فعلى اليسار يبدو أن زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين يريد العوده إلى الدعم والمساعدات الحكوميه كما كان عليه الحال في سبعينيات القرن الماضي بينما على الجانب الآخر من الطيف السياسي في بريطانيا فإن أعضاء حزب المحافظين من أقصى اليمين يحلمون علنا بتأسيس نظام قائم على الضرائب المنخفضه والأحكام التنظيميه القليله في بريطانيا قائم على أساس نموذج سنغافوره.

للإسف ،نظرا للجدول الزمني الخاص ببريكست فإن الفشل على الإتفاق على صفقه طويلة المدى يمكن أن يأتي بعد أن تتجاوز بريطانيا بالفعل نقطة اللاعوده. إن بريطانيا التي ستكون قد خرجت من الإتحاد الأوروبي بشكل رسمي وتخلت عن أي قدره على المشاركه في إتخاذ القرارات في الإتحاد الأوروبي ستكون ما تزال خاضعه لقوانين الإتحاد الأوروبي وخيارها عندئذ سيكون إما الكارثه الأقتصاديه ببريكست بدون صفقه أو الكارثه السياسيه بعمليه إنتقاليه لا تنتهي والتي ستترك بريطانيا بدون القدره على التصويت بشأن قرارات الإتحاد الأوروبي وفي كلا الحالتين فإن بريطانيا لن تتمكن من إستعادة السيطره .

وهذا يرجعنا لجسر جونسون الذي لا يقود إلى أي شيء وهو التشبيه المجازي الصحيح لحركة بريكست فعوضا عن تصديق وعود جوفاء بمشاريع بناء خياليه ، يتوجب على البرلمانيين البريطانيين أن يضغطوا بإتجاه إتخاذ قرار واقعي يتعلق بعلاقة بريطانيا مع الإتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد بريكست وذلك قبل فوات الاوان.

http://prosyn.org/Ty5mHKz/ar;

Handpicked to read next