36

ثلاث مسارات نحو التفكك الأوروبي

لندن - لأول مرة، قد تكون مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا، على حق. فقد صرحت أن تصويت المملكة المتحدة لترك الاٍتحاد الأوروبي أكبر حدث سياسي في أوروبا منذ سقوط جدار برلين. وهذا قد يكون صحيحا: بالفعل، زعزع  بريكست استقرار المملكة المتحدة ويمكن أن ينتهي بتدمير الاٍتحاد الأوروبي.

يقول الفيدراليون القدماء إن الإجابة على بريكست ينبغي أن تكون بمزيد من الاٍندماج في الاٍتحاد الأوروبي. لكن هذا الرد بعيد الاٍحتمال وخطير في نفس الوقت. اٍن ألمانيا وفرنسا غالبا ما تكونان على خلاف، وكلا زعيميهما ضعيفان ويواجهان إعادة اٍنتخابهما العام المقبل، بحيث  لا يستطيعان منح دعم " أوثق للاتحاد الأوروبي ". وأصبحت الآراء المعادية للاٍتحاد الأوروبي منتشرة وعميقة جدا وغير قابلة لتسليم المزيد من السلطة إلى مسؤولين غير منتخبين في الاٍتحاد الأوروبي او لفرض قيود إضافية على عملية صنع القرار الوطني دون تسميم الوعاء بشكل أكبر.

Aleppo

A World Besieged

From Aleppo and North Korea to the European Commission and the Federal Reserve, the global order’s fracture points continue to deepen. Nina Khrushcheva, Stephen Roach, Nasser Saidi, and others assess the most important risks.

في الواقع، يبدو أن اضطراب بريكست المباشر يدعم السياسيين السائدين والاٍتحاد الأوروبي. لكن هذا ليس من المحتمل أن يستمر. ومن المرجح أن تُضعف تداعيات بريكست الأداء الاٍقتصادي في منطقة اليورو وأن تزيد من انشقاق السياسة الأوروبية بحيث أصبح الناخبون غير آمنين. كما سترتفع الهيمنة الألمانية للاٍتحاد الأوروبي، وأيضا الحركات المعادية للألمان في العديد من البلدان. مع اٍتحاد أوروبي ضعيف، منقسم وغير قادر على حل الأزمات العديدة في أوروبا، ومع انبعاث القومية، يمكننا توقع مزيد من التفكك في أشكال مختلفة.

ويعد خطر مغادرة الاتحاد الشكل الأكثر تطرفا بالنسبة للدول الأعضاء. وكانت تبدو فكرة مغادرة الاٍتحاد الأوروبي مسألة غريبة في الماضي: ولم يقم أي بلد بذلك من قبل، وقد قُدم هذا الاقتراح من قبل المتطرفين فقط. والآن بعد بريكست أصبحت المغادرة تبدو ممكنة، وبالنسبة للبعض، معقولة. بالفعل، فقد طالب خيرت فيلدرز، اليميني المتطرف قائد حزب الحرية في هولندا، الرائد في استطلاعات الرأي قبل الاٍنتخابات العامة في مارس المقبل، باجراء استفتاء على عضوية الاٍتحاد الأوروبي. وكذلك، حزب الشعب الدنماركي، الذي يمثل أكبر حزب في البرلمان الدنماركي، لكنه لا يزال خارج الحكومة.

في فرنسا، حيث نجد معارضة قوية للاٍتحاد الأوروبي أكثر مما كانت عليه في المملكة المتحدة، تشن لوبان حملة من أجل وعد استفتاء "فريكست". وهي تقود حاليا في الاستطلاعات حول الجولة الأولى من الاٍنتخابات الرئاسية في أبريل المقبل. وبينما تشير هذه الاٍستطلاعات أنها ستُهزم في الجولة الثانية ضد منافس محافظ ومعتدل، من الممكن أن ينحاز الناخبون من يسار الوسط، الذين ضاقوا ذرعا من التقشف والمؤسسة السياسية والهيمنة الألمانية، اٍلى صفها. وعلاوة على ذلك، تنامي الشعور بانعدام الأمن بعد هجوم نيس في 14 يونيو/ تموز - ثالث مجزرة إرهابية كبرى في فرنسا خلال مدة  18 شهرا - يصُب في مصلحة لوبان.

ويمكن أيضا أن يتخذ التفكك شكلا أقل تطرفا ولكن أكثر خطرا إذا قررت الحكومات تجاهل قواعد الاٍتحاد الأوروبي مع الإفلات من العقاب. في إيطاليا، سعى رئيس الوزراء ماتيو رينزي وراء الاٍستفادة من عدم الاٍستقرار بعد بريكست لاستخدام الأموال العامة لإعادة رسملة بنوك اٍيطاليا ميتة، دون فرض خسائر على دائنيها، متجاوزا بذلك قواعد "الإنقاذ" الجديدة للبنوك في الاٍتحاد الأوروبي. في فرنسا، هدد رئيس الوزراء مانويل فالس بتجاهل العمال المشاركين في الاٍتحاد الأوروبي إلا إذا تم منع أرباب العمل من توظيف عمال من دول الاٍتحاد الأوروبي الأخرى بشروط أسوأ من السكان المحليين.

كما ادعت ألمانيا أن فرنسا أيضا لا تحترم القواعد المالية في منطقة اليورو، مع عدم وجود اعتراض من المفوضية الأوروبية. وبينما هددت المفوضية أسبانيا والبرتغال بغرامات على تجاوز الاٍقتراض اٍلا أنها تراجعت عن قرارها في نهاية المطاف. بل غضت الطرف عن الفرض الأحادي لعديد من الحكومات للرقابة على الحدود في منطقة شنغن التي كان من المفروض أن تكون خالية من الحدود.

والأسوأ من ذلك، فقد غضت اللجنة نظرها عن رئيس الوزراء المجري المتعصب، فيكتور أوربان، على الرغم من استهزاء حكومته المتكرر بمتطلبات الاٍتحاد الأوروبي بشأن سيادة القانون والمعايير الديمقراطية.  كما ترفض حكومات المجر ودول أخرى أيضا الاٍستجابة لبرنامج الاٍتحاد الأوروبي لانتقال اللاجئين عبر الاٍتحاد، والذي تم تنفيذه بمشقة الأنفس على أي حال. وسيقوم أوربان بإجراء استفتاء في أكتوبر/ تشرين الأول لتعزيز موقفه.

ويكمن التهديد الثالث الذي يواجه اٍندماج الاٍتحاد الأوروبي في معارضة المزيد من الحكومات من قبل الأحزاب المناهضة للمؤسسة القومية. وكما أشار المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تلعب الأحزاب المتمردة بالفعل دورا مباشرا في حكم ثمانية من 28 دولة في الاٍتحاد الأوروبي.

في النمسا، يقود مرشح اليمين المتطرف نوربرت هوفر صناديق الاٍقتراع في جولة إعادة الاٍنتخابات الرئاسية في البلاد المقررة في أكتوبر/ تشرين الأول. وفي نفس الشهر، ستقوم إيطاليا بإجراء استفتاء دستوري لإصلاح مجلس الشيوخ، وتعهد رينزي بالاٍستقالة في حالة عدم نجاحه. وهذا من شأنه فتح الباب أمام حركة الخمس نجوم، والتي فازت مؤخرا بالاٍنتخابات المحلية في روما وتورينو، ودعت لإجراء استفتاء حول منطقة اليورو في اٍيطاليا وليس على عضوية ( الاٍتحاد الأوروبي).

وحتى لو لم تفز الأحزاب الشعبوية سيقدم الساسة تنازلات لمؤيديها. على سبيل المثال، يفكر آلان جوبيه، المرشح الأوفر حظا للرئاسة عن الحزب الجمهوري في فرنسا، في الحد من تنقل العمالة في الاٍتحاد الأوروبي، وكذلك منافسه الرئيسي، الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي.

ولمنع هذه القوى من التفكك، على الاٍتحاد الأوروبي أن يقلل من عمله ويقوم به على نحو أفضل. اقتصاديا، يمكن تأجيل إنشاء مؤسسات جديدة. ويجب أن تركز منطقة اليورو بدلا من ذلك على سياسات ترفع من مستويات العيش للجميع. كما ينبغي أن تصبح القيود المالية أكثر مرونة، مع المزيد من الاٍستثمارات، ووضع حد لسياسة التقشف وخفض الأجور، وخفض الضرائب على العمالة.

كما يحتاج القادة في أوروبا لاستعادة الثقة. بداية، ينبغي استخدام قواعد جديدة للإنقاذ في الاٍتحاد الأوروبي لإصلاح الميزانيات العمومية للبنوك، وفرض خسائر على الدائنين وتعويض صغار المستثمرين الذين راحوا ضحايا مشاريع زائفة.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

وسياسيا، يتعين على الاٍتحاد الأوروبي التأكيد على التعاون الفعال لمكافحة الإرهاب. وبدلا من محاولة إجبار الحكومات المتمردة لقبول اللاجئين غير المرغوب فيهم، ينبغي على سلطات الاٍتحاد الأوروبي مواصلة برنامج إعادة التوطين بشكل منظم وآمن مع الحكومات الراغبة في ذلك. هذا مهم بشكل خاص نظرا للمصير المجهول لاتفاق الاٍتحاد الأوروبي مع تركيا للحد من تدفقات اللاجئين، والتي تُبحث على نحو متزايد في أعقاب الاٍنقلاب الفاشل الشهر الماضي.

حان الأوان أن يستيقظ قادة الاٍتحاد الأوروبي من نومهم. فمع هذا التفكك الوشيك، هم  في حاجة ماسة لإقناع  الأوروبيين المتخوفين أن فوائد الاٍتحاد الأوروبي تفوق تكاليفه.