Bitcoin applications Chesnot/Getty Images

تهديد البيتكوين

لندن ــ أصبح التقلب غير العادي الذي يميز البيتكوين وغيره من العملات الرقمية المشفرة يشكل تهديدا ليس فقط للنظام المالي الدولي، بل وأيضا النظام السياسي. والواقع أن تكنولوجيا سلسلة الكتل التي تقوم عليها العملات الرقمية المشفرة تَعِد بطريقة دفع أفضل وأكثر أمانا من أي شيء معروف من قبل، ويعتقد بعض المراقبين أن العملات الرقمية المشفرة سوف تحل محل العمة الإلكترونية في الحسابات المصرفية التقليدية، تماما كما حلت التحويلات الإلكترونية محل العملة الرقمية، التي ورثت وظيفة الذهب والفضة.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

لكن آخرين يبدون تشككهم عن حق في أن هذه التكنولوجيا الجديدة ربما يمكن التلاعب بها أو إساءة استخدامها. يشكل المال جزءا من النسيج الاجتماعي. وعلى مدار القسم الأعظم من تاريخ الحضارة الإنسانية، عمل المال النقدي على توفير الأساس للثقة بين الناس والحكومات، وبين الأفراد، من خلال التبادل. كما كان يعبر بشكل دائم تقريبا عن السيادة، وكانت العملات الخاصة نادرة للغاية.

في حالة النقود المعدنية، كانت العملات المعدنية تحمل شعار هوية الدولة، ومن بين أقدم الأمثلة كانت البومة التي ترمز لمدينة أثينا. ورغم ذلك، لم يخل الأمر عادة من بعض الارتباك حول ما إذا كانت الشعارات التي تحملها العملات المعدنية تمثل السيادة أو الألوهية. فرأس من ذلك الذي تحمله هذه العملة؟ أهو فيليب المقدوني، أو الإسكندر الأكبر، أو هرقل؟ في وقت لاحق، كان الأباطرة الرومانيون يستغلون هذا الالتباس، عن طريق صك القطع المعدنية التي تحمل طلعتهم "المقدسة". وحتى يومنا هذا، تحمل النقود المعدنية البريطانية كلمات تربط بين الـمَلَكية بالرب.

في كل الأحوال، هناك نمط واضح على مدار التاريخ: فالدول السيئة تنتج نقودا سيئة، والنقود السيئة تقود إلى دول فاشلة. فخلال فترات التضخم أو التضخم المفرط، يدمر خفض قيمة العملة بشكل متطرف الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي. على سبيل المثال، كانت حرب الثلاثين عاما في أوروبا الوسطى خلال القرن السابع عشر مدفوعة إلى حد كبير بالتفكك الاجتماعي الذي أعقب فترة من عدم الاستقرار النقدي.

على نحو مماثل، خلال الثورة الفرنسية، كانت المضاربة في عملة ورقية مربوطة بالممتلكات "الوطنية" التي صودرت من الأرستقراطيين والكنيسة سببا في تقوض شرعية اليعاقبة. وفي القرن العشرين، تسببت فترات التضخم أثناء وبعد الحربين العالميتين في تدمير المؤسسات السياسية في أوروبا وإذكاء نيران التطرف. والواقع أن فلاديمير لينين كان يعتبر مطبعة العملة "أبسط طريقة لإبادة روح الرأسمالية" والديمقراطية البرجوازية.

بالإضافة إلى كونها من العوامل الرئيسية وراء تفكك الدول، كانت الأموال السيئة أيضا سِمة أساسية للصراعات بين الدول. فمن منظور الدول المحاربة، كان خلق أو استغلال الاضطرابات النقدية وسيلة رخيصة لتدمير الخصوم. وحتى في زمن السِلم، استجابت بعض الدول لتدهور العلاقات بزرع أموال مزيفة لنشر الفتنة خارج حدودها.

المثال الأكثر شهرة لهذه الحرب النقدية هو مخطط ألمانيا النازية لطباعة الأوراق النقدية التابعة لقوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية. بطبيعة الحال، يمكن استخدام الأوراق النقدية المزيفة لشراء موارد نادرة أو استئجار الجواسيس. ولكن ألمانيا تصورت أيضا استخدام القاذفات البعيدة المدى لإسقاط الأوراق النقدية فوق بريطانيا. وما علينا إلا أن نتخيل مدى تثبيط الهمم والفوضى التي كانت لتنتج عن ذلك. فكل من يمتلك مبلغا كبيرا من المال يُصبِح تلقائيا محل اشتباه، وسرعان ما تتآكل الثقة العامة. وقد يكون إسقاط الأموال النقدية أشد تدميرا من إسقاط القنابل.

كما يُصبِح التلاعب بالمال أكثر سهولة إذا جرى تدويله. في العصر الحديث، قامت دول مارقة، مثل كوريا الشمالية، بتزييف الأوراق النقدية بشكل منتظم، وخاصة الأميركية. وكثيرا ما تستخدم التحويلات الإلكترونية عبر الحدود لأغراض خبيثة وإجرامية. ولكن حتى الآن، لم تقع أي هجمات نقدية مدمرة عالميا خارج عالَم الخيال السينمائي.

بطبيعة الحال، لم يخل الأمر منذ القِدَم من جهود سياسية لتقويض الدولار أو إبداله بوصفه العملة العالمية المهيمنة. ويبدو أن البديل الأكثر إغراءً كان الذهب. وكان المنظرون الروس من "أوراسيا" يروجون غالبا لاستخدام هذا المعدن الأنيق في صنع الأيقونات الروسية التقليدية. وفي عام 2001، حاول رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد آنذاك تقديم "الدينار الذهبي" كرد على نظام العملة القائم على الولايات المتحدة. وفي عام 2005، اقترح رئيس الأمن في تنظيم القاعدة، سيف العدل، استخدام الذهب لإسقاط الدولار.

ويبدو البيتكوين أشبه بنسخة من القرن الحادي والعشرين للذهب، وقد تبنى مبدعوه هذا القياس. فهو يُنتَج ــ أو "يُعَدَّن" ــ من خلال الجهد. وكما كان سعر الذهب يعكس ذات يوم الجهد البشري اللازم لاستخراجه من الأرض في مواقع نائية، فإن خلق البيتكوين يتطلب قدرا هائلا من القوة الحاسوبية، مدفوعا بالطاقة الرخيصة في مناطق نائية من آسيا أو أيسلندا.

بيد أن صعود البيتكوين يمثل تحولا في الكيفية التي ينظر بها المجتمع إلى القيمة الجوهرية. ففي حين خدمت العملات المعدنية قبل الحديثة كأساس لنظرية قيمة العمل ــ حيث تساوي السلع والخدمات قيمة العمل البشري المبذول فيها ــ فإن تكنولوجيا سلسلة الكتل تعطي القيمة لتركيبة من القوة الحاسوبية والطاقة المخزونة، وكل من الأمرين غير بشري.

في الوقت نفسه، تسببت العملات الرقمية المشفرة مثل البيتكوين في جعل التمييز بين جرائم الدولة وجرائم القطاع الخاص في حكم المستحيل. كانت كوريا الشمالية محل اشتباه في مواصلة محاولات التلاعب النقدي من خلال تعدين وخلق البيتكوين، وهو ما دفع الصين وكوريا الجنوبية إلى البدء في إغلاق بورصات البيتكوين. كما أوقفت منصات كبرى للعملات الرقمية المشفرة، مثل كوينتشيك في اليابان، التداول.

ومع ذلك، بلغنا بالفعل النقطة التي قد يؤدي انهيار البيتكوين عندها إلى عواقب عالمية خطيرة. والواقع أن تعرض المؤسسات المالية الحالي للعملات الرقمية المشفرة غير واضح، وربما لا يتم الكشف عنه بشكل كامل إلى أن تقع الكارثة المالية. ويذكرنا هذا إلى حد مخيف بالفترة 2007-2008، عندما لم يكن أحد يعرف حقا أين يكمن التعرض لديون الرهن العقاري الثانوي في نهاية المطاف. وإلى أن حدث الانهيار، لم يكن أحد يعرف أي المؤسسات ربما تكون معسرة.

وكما لا يستطيع المرء أن يجزم على الفور ما إذا كان تقرير إخباري مجر "نبأ كاذب"، فلا أحد يستطيع أن يتثبت على الفور من صلاحية شكل جديد من الأشكال النقدية. وما لم تصدق الحكومة على العملة، فمن غير المرجح أن تحظى بالثقة الكاملة. ولكن هذا لا يعني أنها من غير الممكن أن تصبح ألعوبة للسذج والبسطاء، أو تتحول إلى سلاح للدمار المالي الشامل بين أيدي المتحاربين السياسيين في مختلف أنحاء العالَم.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/jt0H0zO/ar;

Handpicked to read next