9

التهديد الأمريكي في آسيا

نيودلهي - أنتج نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسياسة الخارجية - القائم على التكتيكات والمعاملات، بدلا من الرؤية الإستراتيجية - سلسلة من التقلبات المبهرة. إن ترامب، الذي يفتقر إلى قناعات توجيهية وإلى أولويات واضحة، قد أربك حلفاء أمريكا وشركاءها الاستراتيجيين، ولاسيما في آسيا - مما يعرض الأمن الإقليمي للخطر في هذه العملية.

ومن المؤكد أن بعض انتكاسات ترامب جعلته أقرب إلى المواقف الأمريكية التقليدية. وخاصة بعد أن أعلن أن الناتو "لم يعد بائدا"، كما كان يفترض خلال حملته الانتخابية. وقد خفف هذا التغيير بعض الضغوط على العلاقة الأمريكية مع أوروبا.

لكن في آسيا - التي تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية خطيرة - أدت انتكاسات ترامب إلى تفاقم التقلبات الإقليمية. ومع وجود الكثير من النقاط السياسية التي تهدد باندلاع صراع عنيف، فإن آخر ما يحتاج إليه قادة آسيا هو بطاقة إستراتيجية متوحشة أخرى.

ومع ذلك، وجدوا لدى ترامب ما يطلبونه بالضبط، حيث أظهر الرئيس الأمريكي أنه أكثر تقلبا من الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرت أو الرئيس الصيني الاستبدادي شى جين بينغ. حتى الدكتاتور الكوري الشمالي المتهور الشهير كيم جونغ أون يبدو قابلا للتنبؤ، بالمقارنة.

ولعل السمة الأكثر وضوحا لسياسة ترامب الخارجية هي هوسه في تحقيق الفائدة على المدى القصير. وفي تغريدة أخيرة له، سأل لماذا ينبغي أن يسمي الصين بالمناورة اتجاه العملة، حيث يعمل الصينيون مع الولايات المتحدة لكبح جماح كوريا الشمالية. وقبل أيام فقط، لقب ترامب الصينيين "بأبطال العالم" في التلاعب بالعملة.

قد تلقي هذه التغريدة نظرة إضافية على سياسة ترامب لآسيا. بداية، قد تسلط هذه التغريدة الضوء على ظهور كوريا الشمالية المفاجئ باعتبارها التحدي الرئيسي للسياسة الخارجية لترامب، مما يشير إلى أن الصبر الاستراتيجي الذي اتبعه الرئيس السابق باراك أوباما يمكن أن يستبدل بسياسة أكثر عرضة للحوادث.

ومما يعزز هذا التفسير ادعاءات نائب الرئيس مايك بينس بأن الضربات العسكرية الأمريكية المنخفضة المخاطر والتكلفة في سوريا وأفغانستان تظهر "قوة" و "صلابة" أمريكا ضد كوريا الشمالية. وتعكس هذه الادعاءات عدم فهم إدارة ترامب بأنه عندما يتعلق الأمر بكوريا الشمالية، فإن الولايات المتحدة ليس لديها خيار عسكري موثوق به، لأن أي هجوم أمريكي من شأنه أن يؤدي إلى تدمير فوري للمراكز السكانية الرئيسية في كوريا الجنوبية.

إن الإستراتيجية الحالية لإدارة ترامب - التي تعتمد على الصين للتصدي لكوريا الشمالية - لن تنجح أيضا. في كل الأحوال، تسعى كوريا الشمالية مؤخرا للهروب من قبضة الصين ومتابعة المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة.

نظرا للعلاقة السيئة بين شي وكيم، يبدو أن أفضل رهان لترامب قد يكون نسخة من ما اقترحه خلال الحملة: لقاء مع كيم حول وجبة الهامبرغر. ومع خروج الجني النووي الكوري الشمالي من الزجاجة، فإن نزع السلاح النووي قد لا يكون خيارا معقولا. لكن لا يزال من الممكن التفاوض على وقف التسلح النووي.

إن اعتماد ترامب على الصين لاحتواء كوريا الشمالية لن يكون فقط غير فعال؛ بل يمكن أن يسبب زعزعة أكثر للاستقرار في آسيا. يبدو أن ترامب، الذي بدا في البداية متحمسا للطعن في طموحات الهيمنة الصينية، مستعد للتخلي عن المزيد من الأراضي للبلاد، مما يفاقم خطأ كبير في السياسة الخارجية  تم ارتكابه من جانب إدارة أوباما.

من بين كل تقلبات ترامب، لهذه الأخيرة أكبر أهمية جيوستراتيجية، لأن الصين سوف تستفيد بلا شك من ذلك لتحقيق أهدافها الخاصة. ومن خلال قمعها المتزايد للمعارضين السياسيين والأقليات العرقية إلى جهودها الرامية إلى إضفاء الصبغة الإقليمية على الوضع الراهن في آسيا، تختبر الصين باستمرار إلى أي مدى يمكن أن تصل. تحت ولاية أوباما، فقد حصلت على الكثير. وتحت قيادة ترامب، يمكن أن تحصل على أكثر من ذلك.

يدعو ترامب الصين الآن لتكون صديقة وشريكة لإدارته، وقد أبدى الولاء لشي نفسه. وقال "نحن نتفاعل بشكل جيد مع بعضنا البعض". "نحن معجبين ببعضنا البعض. أنا أحبه كثيرا".

هذا الولاء يمتد إلى أبعد من الكلمات: فأفعال ترامب قد عززت بالفعل موقف شي - وأضعفت موقفه - ولو أن ترامب ربما لم يدرك ذلك. أولا، فقد تراجع ترامب عن تهديده بعدم احترام سياسة "الصين الواحدة". وفي الآونة الأخيرة، استضاف ترامب شي في منتجعه في ولاية فلوريدا، دون أن يطلب من الصين تفكيك أي من الممارسات التجارية والاستثمارية غير العادلة التي دافع عنها خلال الحملة الانتخابية.

وقد عززت القمة مع ترامب صورة شي في البلاد قبل المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني في وقت لاحق من هذا العام حيث قد يتمكن شي من التحرر من الحكم الجماعي المؤسسي ليتمتع بالسلطة بطريقة مستبدة أكثر من أي زعيم صيني منذ ماو تسى تونغ. كما أشارت إلى قبول إدارة ترامب الضمنية استيلاء الصين على أراضي في بحر الصين الجنوبي. وهذا سيشجع الصين ليس فقط على عسكرة جزرها السبع المصنوعة يدويا تماما، ولكن أيضا لمتابعة التعديل الإقليمي في مناطق أخرى، من بحر الصين الشرقي إلى جبال الهيمالايا الغربية.

ويرى ترامب أن "الكثير من المشاكل السيئة المحتملة سوف تختفي" بسبب علاقته مع "شي" الرائع. في الواقع، وعده "بجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" يتناقض مع "الحلم الصيني" لشي "بتجديد الأمة الصينية".

إن فكرة شي التي يؤيدها ترامب بشكل عفوي هي أن بلدانهما يجب أن تتعاون في "نموذج جديد لعلاقات القوة العظيمة". لكن من الصعب تصور كيف يمكن لبلدان ذات وجهات نظر متعارضة من هذا القبيل - ناهيك عن ما دعته غراهام أليسون في جامعة هارفارد "بالمجمعات المتطرفة" - الإشراف على الشؤون العالمية بشكل فعال.

ومن المنتظر أن ينقلب ترامب مرة أخرى على الصين (أو كوريا الشمالية). في الواقع، قد تكون انتكاسات سياسة ترامب أكثر خطورة من سياساته الفعلية. إن الحاجة إلى تعديل مستمر لن تؤدي إلا إلى زيادة القلق بين حلفاء أمريكا وشركائها الذين يواجهون الآن خطر استخدام مصالحهم الأساسية كأوراق للمساومة. وإذا دفعت هذه المخاوف بعض البلدان إلى بناء جيشها، فسيتم تغيير المشهد الاستراتيجي لآسيا بشكل أساسي.