World Trade Organization Director-General Roberto Azevedo Fabrice Coffrini/Getty Images

فرصة لمنظمة التجارة العالمية

أونتاريو ــ في شهر ديسمبر/كانون الأول من عامنا هذا، يجتمع وزراء التجارة من مختلف أنحاء العالَم في بوينس آيرس في إطار المؤتمر الوزاري الحادي عشر لمنظمة التجارة العالمية. ومع تسبب الولايات المتحدة، التي قادت العالَم نحو تحرير التجارة تاريخيا، في تأجيج نيران التوترات التجارية، فمن المنتظر أن يكون هذا الاجتماع مختلفا عن أي اجتماع سبقه.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

الواقع أن الاجتماعات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية ليست سهلة أبدا. فعادة، يتم التوصل إلى اتفاق من نوع ما، ولكن فقط في اللحظة الأخيرة، وتكون لغته غامضة غالبا. ولكن هذه المرة، ربما تكون النتيجة أكثر إحباطا، مع عجز المندوبون عن التوصل حتى إلى اتفاق رمزي يمكنهم الترويج له بحملة تسويقية قوية.

من المؤكد أن التوترات الحالية بشأن التجارة الحرة، والتي تمتد جذورها إلى التوزيع غير المتكافئ لمنافعها، لا يمكن حلها في إطار منظمة التجارة العالمية، ناهيك عن حلها بواسطة اجتماع وزاري. ولكن هذا لا يعني أن المؤتمر المقبل لابد أن يكون عديم القيمة بالضرورة. بل على العكس من ذلك، ينبغي له أن يشكل فرصة حاسمة للشروع في عملية التحديث التي تحتاج إليها منظمة التجارة العالمية حتى يتسنى لها البقاء منصة فعّالة للتعاون التجاري الدولي وبناء الإجماع.

تتعلق إحدى المشاكل الأساسية التي يجب حلها بما يسمى "المعاملة الخاصة والتمييزية". ذلك أن ثلثي الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (164 دولة) أعلنت نفسها من الدول النامية ــ وهو اللقب الذي يخول لها الحصول على المعاملة الخاصة والتمييزية، بما في ذلك سلطة الحفاظ على التعريفات التجارية لفترة أطول من الوقت.

في ظل افتقار منظمة التجارة العالمية لأي معايير أو مؤشرات لتحديد متى يمكن التوقف عن اعتبار دولة ما مستحقة للمعاملة الخاصة والتمييزية، فليس من المستغرب أن لا تتحول أي دولة نامية إلى دولة "متقدمة" أبدا. ومن المؤكد أن العديد من الدول النامية أصبحت أكثر ثراءً منذ بدأ تطبيق المعاملة الخاصة والتمييزية في عام 1979. ولكنها لم تُظهِر أي إشارة إلى أنها على استعداد للتخلي عن فوائد المعاملة الخاصة والتمييزية، حتى عندما يتعلق الأمر بصناعات أصبحت قادرة على المنافسة دوليا.

من الصعب أن نزعم أن كل الدول النامية ينبغي لها أن تتمتع بامتياز لا ينقطع يتمثل في اختيار عدم الوفاء بالالتزامات العامة لمنظمة التجارة العالمية في ما يتصل بكل قطاعات اقتصادها. وفي ظل هذا العدد الكبير من الشركاء في منظمة التجارة العالمية الذين يطالبون بمعاملة تمييزية، كثيرا ما تقاوم الدول الأعضاء المتقدمة الامتيازات التجارية داخل المنظمة، مفضلة إجراء المفاوضات في محافل أخرى.

تتناقض الديناميكيات في منظمة التجارة العالمية بشكل صارخ مع تلك داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ففي منظمة التجارة العالمية، تود الدول المتقدمة لو تتحمل الأسواق الناشئة الكبيرة المزيد من الالتزامات، في حين تقاوم الدول النامية ذلك. أما في مؤسسات بريتون وودز، فتحرص الدول المتقدمة على منع الاقتصادات الناشئة من اكتساب قدر أكبر من النفوذ.

غير أن هاتين الديناميكيتين تشتركان في عنصر مهم: فالعناد، حتى وإن كان راجعا إلى أسباب مختلفة، يعكس دوما إنكار الواقع. وفي مؤسسات بريتون وودز، كانت الاقتصادات الناشئة محقة في مطالبتها بأن يكون وزنها الاقتصادي المتزايد مرتبطا بمساهمات مالية أكبر والمزيد من الثِقَل في التصويت على القرارات. ومن الواضح أن المعاملة الخاصة والتمييزية في إطار منظمة التجارة العالمية تحتاج إلى التحديث لضمان أن فوائدها لن تعود إلا على الدول التي تحتاج إليها حقا. وبالتالي، ينبغي للوزراء في مؤتمر بوينس آيرس أن يكونوا مستعدين لإدارة مناقشة صريحة وصادقة حول المعاملة الخاصة والتمييزية.

يتعلق الموضوع الثاني الذي يتعين على منظمة التجارة العالمية أن تعالجه بمسألة بناء الإجماع. فبموجب قواعد منظمة التجارة العالمية الحالية، يمكن تبني أغلب القرارات بأغلبية الأصوات. ولكن الممارسة التي ظلت قائمة لفترة طويلة كانت تبني كل القرارات بالإجماع.

وهي ممارسة حكيمة ولا ينبغي تغييرها أبدا. فبرغم أن بناء الإجماع قد يكون بطيئا ومرهقا، فإنه السبيل الوحيد لتوليد الشرعية التي تحتاج إليها قرارات منظمة التجارة العالمية. ذلك أن تصويت الأغلبية البسيطة يفشل في نهاية المطاف في التعبير عن الاختلافات في حجم السوق. ومن شأن التصويت المرجح أن يقوض قدرة منظمة التجارة العالمية على تسوية المنازعات من خلال الفصل في الحقوق والالتزامات بين الأعضاء من مختلف الأحجام والثقل السياسي.

المشكلة هي أن الإجماع يُفَسَّر على أنه حق نقض غير محدود، حيث قد يتمكن أي عضو من عرقلة أي مناقشة بشأن مسائل تهم آخرين. ولا ينجح نهج الإجماع إلا إذا انطوى على التزام من الأعضاء كافة بالعمل نحو تحقيق المصالح المشتركة، وإذا اقتصرت اعتراضات الأعضاء الرسمية على القرارات التي تتعارض مع مصلحة أساسية.

أصبح اتفاق باريس للمناخ في حكم الممكن من خلال طريقة بسيطة تسمى "إندابا"، وهي مقتبسة من قبائل الزولو والشوسا في جنوب أفريقيا. فكان المفاوضون يتمتعون بحق حجب الموافقة، ولكن فقط إذا قدموا مقترحات بديلة ترمي إلى إيجاد أرضية مشتركة. وإذا نجحت طريقة إندابا في باريس، فمن الممكن أن تصادف النجاح في منظمة التجارة العالمية. وفي بوينس آيرس، ينبغي للوزراء أن يناقشوا كيفية ضمان ممارسة أعضاء منظمة التجارة العالمية حقوقهم في منع القرارات على نحو مسؤول.

أما القضية الأخيرة التي ينبغي للوزراء أن يكونوا على استعداد لمناقشتها في بوينس آيرس فهي الحاجة إلى ضمان تكيف منظمة التجارة العالمية بفعالية مع البيئة الدولية المتغيرة. صحيح أن المشاكل المرتبطة بالمعاملة الخاصة والتمييزية واتخاذ القرار بالإجماع في منظمة التجارة العالمية ليست جديدة، ولكنها كانت موضع تجاهل لفترة طويلة، الأمر الذي سمح لها بأن تزداد عمقا. وما كان هذا ليحدث لو كان الإصلاح التدريجي متأصلا في الأنشطة المنتظمة التي تزاولها منظمة التجارة العالمية.

يستعين كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بهيئات تتولى مراقبة وتقييم أدائه بشكل منتظم. ورغم أنها تعمل بميزانيات ضئيلة للغاية، فإن هذه الهيئات التي لا تعرف الشفقة في ذكر الحقائق تجبر قادة مؤسساتها بشكل منتظم على إدارة مناقشات صريحة حول الفاعلية التنظيمية والإصلاحات الممكنة. ومثل هذه الهيئة المستقلة للتقييم هو ما تحتاج إليه منظمة التجارة العالمية على وجه التحديد.

لا يجوز لمنظمة التجارة العالمية أن تكنس مشاكلها تحت البساط إلى الأبد. والسؤال الآن هو ما إذا كانت ستضطلع بالإصلاحات التي تحتاج إليها الآن أو تنتظر إلى أن تندلع أزمة باهظة التكلفة قلا تترك لها أي فرصة للاختيار.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

http://prosyn.org/orZ1Qfi/ar;
  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now