0

من يتحمل ثمن مكافحة أنفلونزا الطيور

منذ خمسين عاماً اكتشف المزارعون الأميركيون العاملون في مزارع الدجاج أنهم بإبقاء طيورهم داخل الحظائر يستطيعون إنتاج دجاج لموائد الطعام بتكاليف أقل وبمجهود يقل كثيراً عـن المجهود الذي تقتضيه الطرق التقليدية والـتي تتطلب إخراج الدجاج إلى فناء المزرعة. ثم انتشرت الطريقة الجديدة: فاختفى الدجاج من الحقول إلى حظائر طويلة بلا نوافذ، وظهر إلى الوجود ما يسمى بتربية المصانع.

ولم يطلق مسمى "تربية المصانع" على هذه الطريقة لأن تلك الحظائر تشبه المصانع فحسب. فالحقيقة أن كل ما يتعلق بطريقة الإنتاج هذه موجه نحو استخدام الحيوانات الحية كآلات لتحويل الحبوب إلى لحم أو بيض بأقل تكلفة ممكنة.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

وإذا ما دخلت إلى إحدى هذه الحظائر ـ إذا ما سمح لك صاحب المزرعة ـ فلسوف تجد ما يقرب من ثلاثين ألف دجاجة. ومن المعروف أن المجلس الوطني للدجاج، أو الاتحاد النقابي الذي يمثل صناعة الدجاج في الولايات المتحدة، يوصي بألا تقل المساحة المخصصة لكل طائر عن 85 بوصة مربعة ـ أو ما يقل عن مساحة ورقة الطباعة العادية. وحين تقترب الدجاجة من الوزن الصالح للسوق، فإن الدجاج يغطي أرضية المزرعة بالكامل. ولا تستطيع أي دجاجة أن تتحرك دون أن تضطر إلى شق طريقها بين الطيور الأخرى. أما في مجال إنتاج البيض فإن الدجاجات تكاد تعجز عن الحركة بتاتاً، وذلك لأنها تحشر داخل أقفاص مصنوعة من السلك المعدني، الأمر الذي يجعل من الممكن رصها في طبقات كل منها تعلو الأخرى.

ويؤكد المدافعون عن البيئة أن هذه الطريقة في الإنتاج غير صالحة للاستمرار. فهي في المقام الأول تعتمد على استخدام الطاقة المستمدة من الوقود الحفري في إضاءة وتهوية الحظائر، ونقل الحبوب التي يتغذى عليها الدجاج. وحين يتغذى الدجاج على الحبوب، التي يستطيع البشر أن يتناولوها مباشرة، فإن بعضاً من هذه الحبوب يدخل في تكوين العظام والريش وأجزاء أخرى من الجسم لا نستطيع أن نتناولها كطعام. أي أن المردود الذي نحصل علية من الطعام يقل عما أطعمنا به الدجاج ـ كما نحصل على قدر أقل من البروتين أيضاً ـ كما أن التخلص من السماد المركز الناتج عن فضلات الدجاج يتسبب في تلوث خطير للأنهار والمياه الجوفية.

ويحتج المدافعون عن سلامة الحيوان بأن حشد الدجاجات بهذه الطريقة يمنعها من تشكيل أسراب طبيعية، ويتسبب لها في الإجهاد، وفي حالة وضع البيض فإنه يمنعها حتى من فرد أجنحتها. فضلاً عن ذلك فإن الجو داخل الحظيرة يكون معبقاً بغاز الأمونيا (النشادر) الناتج عن فضلات الدجاج، والتي تترك عادة لتصبح أكوماً لشهور ـ وفي بعض الأحيان تترك لعام أو أكثر ـ قبل أن يتم تنظيف الحظائر. وطبقاً لتحذيرات الخبراء في مجال الطب، فبسبب تغذية الدجاج على نحو روتيني بالمضادات الحيوية بغرض الحفاظ على نموها في هذه البيئة المكتظة القذرة والمجهدة، فإن البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية قد تشكل تهديداً للصحة العامة.

مع ذلك، وعلى الرغم من الانتقادات القائمة على أسباب وجيهة، فقد انت��رت تربية المصانع بسرعة كبيرة طيلة العشرين سنة الماضية ـ ليس للدجاج فقط، بل وأيضاً للخنازير، والعجول، والأبقار المنتجة للألبان، والماشية في حقول التسمين المفتوحة ـ في الدول النامية، وبصورة خاصة في آسيا. والآن اكتشفنا أن العواقب المترتبة على هذه الطريقة في تربية الحيوان قد تكون أكثر فتكاً مما نتخيل.

وطبقاً لتعبير عالم الفيروسات إيرل براون من جامعة أوتاوا بعد الانتشار الوبائي لأنفلونزا الطيور في كندا: "إن منشآت تربية الدجاج المكتظة بالطيور تُـعَـد بيئة مثالية لتوليد فيروس أنفلونزا الطيور الفتاك".

ويتفق معه خبراء آخرون في هذا الرأي. ففي شهر أكتوبر من عام 2005، أكدت قوة المهام التابعة للأمم المتحدة أن "طرق تربية الدجاج التي تعتمد على حشد أعداد هائلة من الطيور في مساحة ضئيلة، هي في الواقع أحد الأسباب الرئيسية وراء انتشار وباء أنفلونزا الطيور".

كثيراً ما يشير مناصري تربية المصانع إلى أن أنفلونزا الطيور من الممكن أن تنتشر بواسطة الأسراب الطليقة، أو بواسطة البط البري والطيور المهاجرة الأخرى، التي قد تنضم إلى أسراب الطيور الطليقة فتتغذى معها أو تسقط فضلاتها أثناء الطيران. ولكن كما أكد براون، فإن الفيروسات التي يمكن العثور عليها بين الطيور البرية غير ضارة في الأغلب الأعم.

وعلى النقيض من ذلك، فحين تدخل هذه الفيروسات إلى بيئة مكتظة بالحيوانات الداجنة فإنها تتحول إلى كائن آخر أكثر فتكاً. وفي المقابل، فإن الطيور التي تربى بالطرق التقليدية تتمتع على الأرجح بقدرة أكبر على مقاومة الأمراض، من تلك الطيور المجهدة المماثلة لها جينياً والتي تربى داخل منشآت مكتظة. فضلاً عن ذلك فإن تربية المصانع ليست آمنة حيوياً، حيث أن الحظائر كثيراً ما تبتلى بالفئران والجرذان والحيوانات الأخرى التي تنتقل الأمراض عن طريقها.

حتى الآن، ما تزال أعداد البشر الذين هلكوا نتيجة للإصابة بالسلالة الحالية من أنفلونزا الطيور، ضئيلة نسبياً. وعلى ما يبدو أن كل الضحايا كانوا على اتصال مباشر بطيور مصابة. ولكن إذا ما تحول الفيروس إلى شكل يمكنه الانتقال بين البشر، فإن أعداد الوفيات قد تصل إلى مئات الملايين.

والحقيقة أن الحكومات قد بدأت بالفعل في اتخاذ الخطوات اللازمة استعداداً لمواجهة هذا التهديد الخطير. فقد وافق مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة مؤخراً على إنفاق ثمانية بلايين من الدولارات لتدبير مخزون احتياطي من اللقاحات والعقاقير الأخرى التي قد تساعد في منع انتشار أنفلونزا الطيور على نحو وبائي.

ولكن من الواضح الآن أن مثل هذا الإنفاق الحكومي هو في واقع الأمر مجرد نوع من المعونة المقدمة لصناعة تربية الدواجن. ومثلها كمثل كل المعونات الأخرى فهي تشكل أسلوباً اقتصادياً رديئاً. لقد انتشرت طريقة تربية المصانع لأنها بدت أقل تكلفة من الطرق الأكثر تقليدية. والحقيقة أنها لم تكن أقل تكلفة إلا لأنها تلقي قسماً من تكاليفها على كاهل آخرين ـ على سبيل المثال، أولئك الناس الذين يقيمون فـي مناطق تلي تلك المصانع على مجاري الأنهار في اتجاه المصب، أو في مناطق حيث يحمل الهواء إليهم التلوث الناتج عن تلك المصانع، والذين يحرمون من الاستمتاع بالماء والهواء النظيفين.

Fake news or real views Learn More

الآن أصبحنا ندرك أن هذه التكاليف كانت مجرد قسم ضئيل من التكاليف الكلية. ذلك أن طريقة تربية المصانع يترتب عليها تكاليف أكبر ـ ومخاطر ـ نتحملها جميعاً. ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذه التكاليف كان من الواجب أن يتحملها من يستخدمون طريقة تربية المصانع بدلاً من تحويلها إلينا لنتحملها نحن.

بطبيعة الحال، لن يتسنى لنا تحقيق هذه الغاية بسهولة، لكننا نستطيع أن نبدأ بفرض ضريبة على منتجات مرابي المصانع، إلى أن يتجمع لدينا من العائدات ما يكفي لتغطية نفقات التدابير الوقائية التي ينبغي على الحكومات أن تتخذها الآن لمكافحة أنفلونزا الطيور. وحينئذ، قد ندرك أخيراً أن الدجاج الذي ننتجه بطريقة تربية المصانع ليس رخيصاً كما كنا نتخيل.