0

النمو الشامل المرتقب في أفريقيا

دبي ــ تسود حالة من الحبور الشديد والابتهاج قسماً كبيراً من قارة أفريقيا هذه الأيام، وهي حالة مبررة في حقيقة الأمر. فأفريقيا تضم سبعة من أسرع عشرة بلدان نمواً على مستوى العالم. وانطلاقاً من إدراكه لإمكانات وأهمية القارة، دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى عقد قمة زعماء الولايات المتحدة وأفريقيا في الفترة من الرابع إلى السادس من أغسطس/آب.

ولكن في خضم كل هذه الأنباء الطيبة، يظل احتمال التغافل عن الأنباء السيئة قائما. فوفقاً لتقرير حديث عن الأهداف الإنمائية للألفية التي تبنتها الأمم المتحدة، ازداد عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا بنسبة تتجاوز 40%، لكي يبلغ 414 مليون نسمة في الفترة من عام 1990 إلى عام 2010. ولا تزال المنطقة تمثل أربعاً من أصل خمس وفيات بين الأطفال دون سن الخامسة.

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

من الواضح أن النمو لم يكن شاملا؛ فلم تلحق قوارب عديدة بموجة المد المرتفع. وهذا الوضع غير قابل للاستمرار ببساطة.

في العقد المقبل، من المنتظر أن يدخل ما يقرب من 12 مليون شخص إلى قوة العمل في أفريقيا سنويا؛ ولكن حتى اليوم يشكل الشباب 60% من إجمالي العاطلين عن العمل. ويشكل خلق العدد الكافي من الوظائف المجزية تحدياً كبيرا.

سوف تتباين سبل مواجهة هذا التحدي من بلد إلى آخر، ولكنها تتركز جميعها على إحياء وتعزيز الصناعات التحويلية والزراعة وتجارة التجزئة وقطاعات الضيافة، فضلاً عن الشركات ذات الصلة بالتكنولوجيا. وقد شهدنا بالفعل التأثير الإيجابي المترتب على إبداعات مثل المحافظ المحمولة ــ تطبيق على الهاتف المحمول للخدمات المصرفية ــ في تسهيل السداد والمعاملات التجارية، وخلق طبقة جديدة من الوظائف في أفريقيا.

ومن الممكن تحقيق المزيد من خلال جعل اتصالات النطاق العريض والتكنولوجيا أكثر توفراً وبأسعار معقولة. فإذا كانت الهند قادرة على خلق شركات التوريد الخارجي الناجحة انطلاقاً من الصفر، والتي تخدم عملاء على بعد آلاف الأميال، فلماذا لا تستطيع أفريقيا أن تحقق نفس الإنجاز؟

حتى في ظل أكثر سيناريوهات النمو تفاؤلا، سوف تظل نحو نصف قوة العمل في أفريقيا بعد عقد من الزمان من الآن موظفة في القطاع غير الرسمي، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتناهية الصِغَر. ويشكل تسهيل نمو القطاع غير الرسمي وتحسين إنتاجيته من خلال توسيع القدرة على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا ضرورة حتمية. ومن ناحية أخرى، لابد أن يركز نظام التعليم في أفريقيا على إنتاج المهارات والعمالة القابلة للتوظيف.

على الرغم من ظهور عدد قليل من المصنعين على مستوى عالمي، مثل شركة دانجوت للأسمنت في نيجيريا، فإن مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا انحدرت إلى 13% فقط. ولكن ارتفاع تكاليف العمل في أجزاء من آسيا، وخاصة الصين، تمثل فرصة لأفريقيا لعكس هذا الاتجاه.

وعلى نحو مماثل، تحظى أفريقيا، التي تضم نحو 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المزروعة على مستوى العالم، بفرصة كبيرة لإطعام سكان العالم المتزايدين وتشجيع الزراعة كعمل تجاري. ورغم هذا فقد أدركت الحكومات في بلدان مثل نيجيريا أن الزراعة تتحرك إلى الخلف.

ولك�� تستفيد من إمكاناتها بالكامل في التصنيع والزراعة، فيتعين على أفريقيا أن تركز على معالجة عجز البنية الأساسية والطبيعة المفتتة لأسواقها، فضلاً عن تحسين جودة الجهات التنظيمية، وتعزيز فعالية الحكومة، وفرض سيادة القانون ــ وهي اللبنات الأساسية في أي استراتيجية تنموية. وسوف تلعب السياسات الجاذبة للمستثمرين أيضاً دوراً مهماً في هذا السياق.

إن أفريقيا في حاجة ماسة إلى تحسين بنيتها الأساسية المادية، مثل محطات الطاقة والمطارات والموانئ والطرق والسكك الحديدية. فنيجيريا على سبيل المثال، وهي صاحبة أكبر اقتصاد في أفريقيا، تولد من الكهرباء ما يقل عن ما تنتجه دولة ضئيلة الحجم مثل سنغافورة، برغم امتلاكها لاحتياطيات ضخمة من الغاز. وفي غياب شبكة عالية الجودة للنقل الجوي، فإن المسار المفضل بين العديد من العواصم الأفريقية يمر الآن عبر دبي على خطوط الإمارات الجوية.

لقد أظهرت الصين كيف يمكن تحقيق التقدم السريع في تشييد البنية الأساسية. ولكن على النقيض من الصين، لا يتجاوز معدل الادخار المحلي في أفريقيا 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدل غير كاف على الإطلاق لتمويل فجوة البنية الأساسية.

ومن هنا فإن أفريقيا تحتاج إلى رأس المال الأجنبي. والواقع أن مشاريع البنية الأساسية، بحكم طبيعتها، طويلة الأجل ومعرضة للتقلبات السياسية؛ ولكن المستثمرين يحتاجون إلى التنظيم بكل تأكيد. وتشكل العطاءات الشفافة، والوضوح بشأن الهياكل الجمركية وآليات السداد، والأنظمة الجمركية الخالية من الغموض، والثقة حول حقوق الملكية، مكونات أساسية، مثلها في ذلك كمثل القضاء الفعّال الناجز وغير القابل للفساد.

إن تحقيق المستوى الضروري أمر ممكن إذا تم تخفيض أو إزالة الحواجز التي تحول دون حرية حركة السلع والخدمات عبر الحدود الوطنية، وإذا تمتعت الشركات بحرية العمل على أساس إقليمي. في الوقت الحالي، تشكل التجارة البينية في أفريقيا أقل من 15% من إجمالي التجارة ــ وهو أدنى معدل في أي قارة. ويُعَد تشكيل كتل إقليمية في جنوب وشرق وغرب أفريقيا خطوات إيجابية، ولكن الأمر يتطلب المزيد من العزيمة والإصرار والسرعة في التنفيذ.

ولابد أن يكون الهدف في الأمد المتوسط إقامة اتحاد تجاري "حقيقي" يعمل على نحو أشبه بالاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بضمان حرية حركة السلع والخدمات والبشر. وفي أقل تقدير، كما قد يشهد المستثمرون في أفريقيا، لابد أن تصبح أنظمة التأشيرة أكثر ملاءمة للأعمال التجارية.

بالإضافة إلى معدل الادخار المنخفض، تعاني أفريقيا من عدد وافر من أسواق رأس المال صغيرة الحجم (الاستثناء الوحيد في جنوب أفريقيا). وقد يكمن الحل لهذا الوضع في إنشاء مبادلات للأسهم والسندات التجارية على مستوى عموم أفريقيا. وهذا من شأنه أن يمنح المؤسسات المحلية القدرة على الوصول إلى التمويل فضلاً عن تسهيل وصول المستثمرين الأجانب بشكل مباشر إلى الشركات الأفريقية. ومن الممكن أيضاً أن يساعد توفير خيارات الخروج، التي لا وجود لها الآن، في غرس بذور نمو كبير في رؤوس الأموال الخاصة. وبوسعنا أن نقول إن جمع الأسهم وليس تكديس الديون من شأنه أن يخدم أفريقيا على أفضل نحو.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

من خلال إنهاء احتكارات الدولة للاتصالات، نجحت نيجيريا في إنشاء أكثر من ثلاث ملايين وظيفة في هذا القطاع وحده على مدى العقد الماضي. فهل يوجد درس أوسع يمكن استخلاصه من تقليص، إن لم يكن إنهاء، الدور الذي تلعبه الشركات المملوكة للدولة؟ أم هل ينبغي لأفريقيا أن تتبع النموذج الصيني الذي يتمثل في العمل في الوقت ذاته على تغذية ــ وربما حتى محاباة ــ مثل هذه الشركات؟ لا تزال المداولات مستمرة. ولكن من الواضح أن أفريقيا تحتاج إلى إطار للسياسات يعيد تعريف الأدوار التي تلعبها كل من الحكومة والقطاع الخاص.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali