9

مواجهة ترامب  وشي الإستراتيجية

سنغافورة - لم يسافر الأباطرة الصينيون قط في العصور القديمة اٍلى دولة أخرى للقاء حاكمها الجديد. بدلا من ذلك، فإن هذا الحاكم، أو مبعوثه،  هو الذي يزور العاصمة الإمبراطورية الصينية لطلب التنصيب من ابن السماء.

إن قطع الرئيس الصيني شي جين بينغ آلاف الأميال للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مارا-لاغو، بدلا من استقبال ترامب في المدينة المحرمة في بيكن، يوحي بأن الصين تعترف بوضعها كقوة أقل أمام الولايات المتحدة.

لكن هذا لا يعني أن هذه الحالة دائمة. بل على العكس من ذلك، قد يكون متوقعا أن الموقف الاستراتيجي للبلدين سيتغير بسرعة كبيرة إذا لم تقم الولايات المتحدة بالمزيد من أجل الحفاظ على أولويتها العالمية.

وقد استمرت المناقشات حول ازدهار الصين وتراجع الولايات المتحدة نسبيا منذ عقد تقريبا. لكن الفكرة القائلة بأن الصين ستحل محل الولايات المتحدة كقوة عالمية مهيمنة لم تعتبر معقولة - سواء من قبل الصينيين أو المراقبين في جميع أنحاء العالم - حتى وصل ترامب إلى الرئاسة.

ويمكن تعزيز هذا التصور الجديد في مارا لاغو. وعلى الرغم من أن هذا الحدث قد تم تقديمه كمناسبة ليتعارف الزعيمان شخصيا، إلا أن ترامب يعتزم طرح ثلاث قضايا رئيسية على الأقل: عجز أمريكا التجاري الكبير مع الصين، البرنامج النووي لكوريا الشمالية، والنزاعات الإقليمية بين الصين و حلفاء الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

ولا شك أن كل زعيم سيطلب من الآخر تقديم تنازلات بشأن هذه القضايا، حتى يتمكن من الظهور "كمنتصر" بعد القمة. يحتاج ترامب إلى نتيجة مواتية للتعويض عن الإخفاقات السياسية المحلية التي أدت إلى تآكل رأس ماله السياسي بشدة، وإلى انخفاض شعبيته إلى مستويات قياسية. كما يريد شي انتصارا دبلوماسيا لتعزيز مكانته السياسية قبل المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني في نوفمبر/ تشرين الثاني.

وفيما يتعلق بالتجارة، يريد ترامب تقليص الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، بفرض رسوم جمركية أعلى على السلع الصينية والضغط على الشركات المصنعة الأمريكية والدولية لنقل مرافق إنتاجها إلى أمريكا. لكن من غير المحتمل أن ينجح ترامب في تحقيق هذا الهدف. فمن ناحية فرض رسوم جمركية على الواردات الصينية سيثير منازعات تجارية، وسيدعو إلى انتقام الصين، وسيضر الشركات الأمريكية التي تخلق الثروة - وتقدم منتجات بأسعار معقولة للمستهلكين الأمريكيين - من خلال بناء مرافق إنتاجية في الصين.

البديل الأفضل لترامب هو إقناع الصين باستيراد المزيد من الولايات المتحدة. لكن إجراء هذا التغيير سيستغرق وقتا بالنسبة للصين. أما بالنسبة للجانب الأمريكي، لا يمكن لترامب ببساطة إملاء حصص على الشركات، التي يجب أن تتخذ قراراتها حسب ظروف السوق.

ومن ناحية أخرى، أشار ترامب إلى أنه قد يخفف موقفه من قضية التجارة إذا ما قدم الرئيس شي المساعدة فى كبح طموحات النظام الكوري الشمالي. لكن شي، مع العلم أن لديه اليد العليا في قضية التجارة، لن يتأثر بسهولة. وبدلا من ذلك، سيعرض على الأرجح تعاون الصين مقابل قيام الولايات المتحدة بوقف نشر نظام الدفاع الصاروخي للمنطقة العليا للطائرات / ثاد / في كوريا الجنوبية.

وسيرفض ترامب هذا الاقتراح بلا شك. ومع ذلك قد يكون مبالغا في تقدير تأثير الصين على كوريا الشمالية. وأجرت هذه الأخيرة تجاربها النووية والصاروخية الأخيرة على الرغم من العقوبات الصينية التي أوقفت واردات الفحم من كوريا الشمالية - مصدر الدخل الرئيسي للنظام. وإذا كان لدى الصين سيطرة أقل على كوريا الشمالية عكس ما يفترضه الكثيرون، فمن غير المرجح أن يقدم شي أي تنازلات إستراتيجية لترامب لمواجهة التهديد النووي.

ونفس الشيء يمكن أن يقال عن قضية بحر الصين الجنوبي. حددت الصين مطالبها الإقليمية بأنها "مصلحة جوهرية"، مما يدل على أنها ستستخدم القوة للدفاع عن موقفها هناك. وانتقد بعض المراقبين الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لكونه متساهلا للغاية بشأن هذه القضية، لأنه سمح للصين بتأكيد مطالبها دون رقابة على مدى السنوات الثماني الماضية. لكن من غير المحتمل أن يكون أوباما قد فعل أي شيء لوقف الصين دون المخاطرة بالنزاع الكبير مع قوة عظمى. ويرغب ترامب في وقف التجاوزات الإستراتيجية للصين في بحر الصين الجنوبي. لكن كما سيثبت اجتماعه مع شي، خياراته ستكون محدودة كما كانت خيارات أوباما.

ونظرا لهذه القيود، فإن ترامب سيفشل بالتأكيد في تحقيق النصر السياسي في القمة. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يعود شي إلى بلاده منتصرا فقط من خلال الإصرار على موقفه. ومن شأن هذه النتيجة المرجوة أن تعزز الرأي القائل بأن الولايات المتحدة بدأت تفقد تأثيرها العالمي في الصين، وخاصة المراقبين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ الذين شاهدوا ترامب ينبذ الشراكة عبر المحيط الهادئ ويوقف محور أوباما الاستراتيجي للمنطقة.

وبسبب الانقسامات العميقة داخل المجتمع الأمريكي، فإن إدارة ترامب الانعزالية والمناهضة لليبرالية قد تفتقر بالفعل إلى رأس المال السياسي والتصميم على تأجيل، ناهيك عن عكس التحول الهائل في القوة العالمية تجاه الصين. ولن يتحقق هذا التحول إلا بعد رئاسة ترامب، ما لم يتم إجراء تغييرات كبيرة للاحتفاظ بالأولوية العالمية المكلِفة التي اكتسبتها أمريكا بمشقة النفس.