4

عالَم ترامب الجديد الغامض

مكسيكو سيتي ــ الشيء الوحيد المؤكد حول الإدارة المقبلة في الولايات المتحدة بقيادة الرئيس المنتخب دونالد ترامب هو حالة عدم اليقين والالتباس التي ستصاحبها. ربما يكون التحلي بمظهر من لا يمكن التنبؤ بتصرفاته من التكتيكات الناجحة في عالَم الأعمال، ولكنها سِمة مُربِكة، وبالغة الخطورة، عندما تلتصق بزعيم الدولة الأقوى في العالَم. ويصدق هذا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بثلاثة مجالات حساسة في السياسة.

المجال الأول هو الاقتصاد الأميركي وتأثيره على اقتصادات الدول الأخرى. فإذا خفض ترامب الضرائب وتمكن من استنان برنامج ضخم لتشييد البنية الأساسية، فسوف يرتفع عجز الميزانية الأميركية، وربما بشكل بالغ الأثر. وهذا، جنبا إلى جنب مع ارتفاع أسعار فائدة بنك الاحتياطي الفيدرالي تدريجيا، من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الدولار قوة، وإضعاف قيمة عملات ما يسمى بالأسواق الناشئة، وتحويل الأموال من بقية العالم إلى الولايات المتحدة.

ومع انخفاض قيمة عملات دول أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، تنهار احتياطياتها أو ترتفع أسعار الفائدة ومعدلات التضخم لديها. وهو احتمال مثير للقلق الشديد، إن لم يكن مرعبا، من منظور الاقتصادات التي كانت متماسكة بالكاد منذ انتهاء طفرة السلع الأساسية الأخيرة.

من ناحية أخرى، ربما يحافظ ترامب على الهالة المحيطة به من عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته من خلال الانصراف عن فكرة التخفيضات الضريبية، أو زيادة الإنفاق على مشاريع البنية الأساسية بشكل كبير، أو حتى الجدار الذي وعد بإقامته على الحدود مع المكسيك. في هذه الحالة لن يمسك فرط النشاط بتلابيب الاقتصاد الأميركي، وربما ينقلب الاتجاه الصاعد في سوق الأسهم، وربما يؤجل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الزيادات الجديدة في أسعار الفائدة، وبهذا لا يخرج العجز الأميركي عن السيطرة، كما حدث أثناء رئاسة جورج دبليو بوش، في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

وقد لا تعاني الاقتصادات الناشئة كثيرا في هذا السيناريو، بل وربما تستفيد حتى من تقدير قيمة الدولار بحكمة وتحرر الاقتصاد الأميركي من العجز والتضخم. ولكن ما دام ترامب يتبنى الغموض، فسوف يعمل فعليا على خلق الظروف التي تسمح بتحقق السيناريو الأسوأ على الإطلاق، لأن الأسواق والمستثمرين والبنوك المركزية والحكومات لن تجد أمامها أي اختيار سوى الاستعداد للأسوأ، حتى وإن كانت ترجو الأفضل.

وربما نستطيع أن نقول نفس الشيء عن كوبا، وهي الدولة المعرضة للتأثر فعليا بوعود ترامب بإلغاء سياسات الرئيس باراك أوباما. ولأن الكونجرس رفض تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بإلغاء الحظر الأميركي، فقد اضطر أوباما إلى اللجوء إلى أوامر تنفيذية يمكن عكسها قانونيا لتخفيف القيود المفروضة على السفر، والتحويلات المالية، والتجارة والاستثمار.

ومن جانبه، وَعَد ترامب بإلغاء كل هذا ما لم يتمكن من الحصول على "صفقة أفضل لصالح الشعب الكوبي، والأميركيين من أصل كوبي، والولايات المتحدة ككل". ورغم أنه لم يحدد ماذا يعني بهذا على وجه التحديد، فيبدو أنه يريد المزيد من التنازلات من راؤول كاسترو في ما يتصل بحقوق الإنسان، في مقابل التنازلات من جانب واحد التي قدمتها إدارة أوباما بالفعل. ومن غير المرجح أن ينجح مثل هذا النهج: ذلك أن نظام كاسترو لن يفعل ما لم يفعله قط فيتفاوض على قضايا سياسية داخلية مع دولة أخرى. وعلى هذا فلا أحد يعرف ما إذا كانت سياسة إدارة أوباما في التعامل مع كوبا ستظل بلا تغيير خلال ولاية ترامب.

إذا لم يحدث ذلك، فسوف تكون صناعة السياحة هي الأكثر معاناة. فالآن وقد أصبحت شركات الطيران الكبرى تنظم رحلات إلى ومِن الجزيرة، بات بوسع الأميركيين من أصل كوبي وأي سائح آخر السفر إلى هناك بحرية، وهو ما يعني توفر فرص الاستثمار في قطاعات الضيافة، والاتصالات، والنقل، والخدمات المصرفية للأفراد، وغير ذلك من الصناعات ذات الصلة. ولكن الآن في ظل احتمال إلغاء ترامب لكل هذه الرحالات، فمن الجنون أن يلتزم أي شخص بتدبير 200 مليون دولار لتجديد مطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا، على سبيل المثال.

ومرة أخرى، لن تتحمل كوبا وحدها العبء الأكبر الناجم عن استمرار حالة عدم اليقين، بل سيتحمله أيضا المستثمرون المحتملون، الذين بات لزاما عليهم أن ينتظروا الأسوأ. فلن يراهن أي مستثمر ذكي على تصرف ترامب بعقلانية، فينخرط في ارتباطات في كوبا مقدما ما دامت قواعد الطريق عُرضة للتغيير. وسوف تظل هذه القواعد مبهمة لبعض الوقت في المكسيك أيضا ــ وهي دولة أخرى سوف تتأثر بشكل غير متناسب بكلمات ترامب وتصرفاته.

خلال حملته الانتخابية، فعل ترامب كل شيء بوسعه للإساءة للمكسيك والشعب المكسيكي، وإحاطة العلاقات بين الولايات المتحدة والمكسيك في المستقبل بسحابة من عدم اليقين، من خلال الوعد بإقامة الجدار الحدودي، وترحيل المهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين بشكل جماعي، وإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (النافتا) أو الانسحاب منها. والآن تدور في المكسيك مناقشة حول ما إذا كان أي من هذا سيحدث بالفعل، وكيف ينبغي للبلاد أن تستجيب إذا حدث، خاصة في ما يتعلق بإلغاء اتفاقية النافتا.

وفقا لترامب، عانت الولايات المتحدة من خسارة صافية للوظائف في ظل اتفاقية النافتا، لأن العمال المكسيكيين يتقاضون أجورا أقل لأداء الأعمال التي كانت تنفذ سابقا في الولايات المتحدة. ولكن أنصار اتفاقية النافتا في الولايات المتحدة والعديد من المكسيكيين يزعمون أن الاتفاقية خلقت في واقع الأمر عددا من الوظائف أكثر من تلك التي فُقِدَت في ولايات حزام الصدأ التي فاز فيها ترامب في الانتخابات، لأنها عملت على زيادة الواردات الأميركية إلى المكسيك. في كل الأحوال، لن يُفضي فرض الرسوم الجمركية على الواردات من المكسيك إلا إلى العمل كضريبة على المستهلكين في الولايات المتحدة. ولكن المجال متاح للتفاوض، وربما تتمكن اتفاقية نافتا جديدة أفضل من معالجة مخاوف الدول الأعضاء جميعها في نهاية المطاف.

لكن المشكلة هي "نهاية المطاف": فالمكسيك ليس لديها متسع من الوقت. ففي عهد إدارة الرئيس الأميركي إنريكي بينيا نييتو، كان النمو الاقتصادي ــ عند مستوى لا يتجاوز 2% سنويا ــ عاديا، ومن غير الممكن أن يتوسع الاقتصاد بسرعة أكبر من دون زيادة الاستثمار الأجنبي. ولكن هذا لن يتسنى قبل البت في قضية اتفاقية النافتا وتوضيح وتنظيم قواعد جديدة للتجارة والاستثمار.

ربما يكون الغموض سِمة أصيلة في ترامب، بل وربما يرحب حتى بهذه الصِفة. ولكن في نظر كل الآخرين تقريبا، تشكل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترامب عائقا كبيرا. وبحلول العشرين من يناير/كانون الثاني، سوف تضطر كل الدول التي تتعامل مع الولايات المتحدة إلى جعل التخفيف من العبء الذي تفرضه إدارة ترامب واحدة من أولى أولوياتها.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel