sheng102_Chip SomodevillaGetty Images_trumpangry Chip Somodevilla/Getty Images

بَـلـبَـلَـة أميركية

هونج كونج ــ يُـقَـدِّم مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون لكتابه الجديد "الغرفة حيث حدث ذلك" على أنه "الرواية الأكثر شمولا وجوهرية" حول إدارة الرئيس دونالد ترمب. وبالفعل، سرعان ما تحول الكتاب إلى مصدر بالغ الأهمية لأولئك الذين يسعون إلى فهم ترمب. لكن على الرغم من تصريحات بولتون المثيرة حول سلوك ترمب في السياسة الخارجية، فإن كتابه (الذي حاولت إدارة ترمب عبثا منعه من الوصول إلى المكتبات) لا يجيب على السؤال الأساسي الذي يواجه الولايات المتحدة: هل يُـعَـد ترمب مسؤولا عن ارتباك السياسة الخارجية الحالي، أو أن هذه الحال راجعة إلى شيء أعمق وأكثر بنيوية؟

لا شك أن قيادة ترمب ملتبسة، بل خطيرة. افترض بولتون، المطلع على خفايا واشنطن منذ فترة طويلة، أنه بصفته مستشار الأمن القومي، سيكون مسؤولا عن ضمان أن الرئيس "يفهم أي الخيارات مفتوح أمامه في ما يتصل بأي قرار بعينه"، وأن القرار الذي سيتخذه "سيتولى جهازه البيروقراطي المعني تنفيذه".

لكن ترمب لم يكن مهتما بأي حسابات منظمة لأولويات السياسة ومقايضاتها. كما لم يكن مهتما كثيرا بتنفيذ السياسات. فلا تكاد أمور مثل إدارة الأجندات المختلفة، ومصالح الآلة البيروقراطية المعقدة ــ بما في ذلك وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، والخزانة، والهيئات الاستخباراتية ــ تخطر على باله.

بحسب بولتون، كانت الأنا عند ترمب ــ التي ترتبط ارتباطا وثيقا بإعادة انتخابه ــ هي كل ما يهم، إلى الحد الذي جعله على استعداد لإبرام ما اعتبره بولتون صفقات غير حكيمة مع دول أخرى لمجرد ادعاء النصر. ثم يذكر بولتون في كتابه أن في النهاية لم يعد بوسعه أن يتحمل فاستقال. (لا يزال ترمب يصر على أنه رَفَـد بولتون).

تسبب نهج ترمب المزاجي المتقلب الذي تطغى عليه المعاملات ــ والذي تضمن امتداح حكام دكتاتوريين، والانسحاب من اتفاقيات متعددة الأطراف، ونشر تغريدات تحمل تهديدات جامحة كلما شعر بأنه محاصر ــ في إحداث قدر عظيم من الارتباك بين حلفاء أميركا وخصومها على حد سواء (ناهيك عن المسؤولين والبيروقراطيين الأميركيين). وليس من المستغرب أن يفضي هذا النهج إلى تقويض مكانة أميركا على المسرح العالمي بشدة.

لكن مكانة أميركا كانت تتجه إلى الوهن والضعف قبل وقت طويل من وصول ترمب. إن وضعها كقوة عظمى يعتمد على نفوذها الاقتصادي، وبراعتها التكنولوجية، وهيمنتها المالية، وقوتها العسكرية. لكن اهتمامها بالقيادة العالمية ــ ونهجها في التعامل معها ــ كان يتشكل دائما بما يتماشى مع تصورها لذاتها كسلطة أخلاقية، تحمل قيما عالمية ينبغي للآخرين أن يقتدوا بها.

Subscribe to Project Syndicate
Bundle2020_web_beyondthetechlash

Subscribe to Project Syndicate

Enjoy unlimited access to the ideas and opinions of the world's leading thinkers, including weekly long reads, book reviews, and interviews; The Year Ahead annual print magazine; the complete PS archive; and more – all for less than $2 a week.

Subscribe Now

المشكلة، التي أشار إليها الخبير الجيوستراتيجي جورج فريدمان، هي أن "أغلب الأمم لا تلتزم بالمعايير الأخلاقية الأميركية". يصدق هذا بكل تأكيد في حالة الصين، التي تتبنى مجموعة خاصة من القيم والأولويات. وقد ساهم هذا التباعد إلى حد كبير في الاستنتاج الغالب في الولايات المتحدة بأن الصين هي الخصم الاستراتيجي الرئيسي لأميركا.

تحظى هذه الفكرة بدعم واسع النطاق من جانب الحزبين في الولايات المتحدة. الواقع أن سلف ترمب الديمقراطي باراك أوباما سعى أيضا إلى تحويل تركيز أميركا الاستراتيجي نحو إدارة صعود الصين ــ وإن كان ذلك بشكل أقل تنافسية كثيرا من نهج ترمب ــ لكنه أُحـبِـط بسبب الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط.

كما زعم الدبلوماسي الأميركي ريتشارد ن. هاس، تميزت رئاسة ترمب بانقسامات واضحة ليس حول تحويل التركيز نحو منطقة المحيط الهادئ، أو الانسحاب من مستنقع الشرق الأوسط، أو إعادة النظر في العلاقات مع روسيا، بل حول كيفية القيام بكل هذا. ومع ذلك، حال أسلوب ترمب العدائي المثير للانقسامات دون التوصل إلى أي إجماع، وخاصة في ما يتعلق بالصين. ولم يتبق سوى التنكر لكل شيء صيني كرد فِعل انعكاسي.

لن يكون الإفلات من كل هذا الارتباك والبلبلة بالأمر السهل. إن مكانة أميركا العالمية تعتمد على اقتصاد قوي. ومع ذلك، تسببت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) في دفع 40 مليون مواطن أميركي إلى التقدم بطلب للحصول على إعانات البطالة، ويتوقع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن يظل قسم كبير من هذا العدد عاطلين عن العمل لفترة طويلة. وما يزيد الطين بلة أن الانقسامات الاجتماعية التي ظلت تختمر لفترة طويلة وصلت إلى نقطة الغليان، وهو ما تجلى في الاحتجاجات الواسعة النطاق ضد العنصرية الجهازية وعنف الشرطة.

أصبح الأميركيون وقادتهم يركزون بشكل متزايد الآن على التحديات الداخلية. ونتيجة لهذا، كما يلاحظ هاس، فإن "الكثير من الأحداث في العالم تستدعي الاهتمام الأميركي لكنها لا تحظى به".

على سبيل المثال، ما دامت جائحة كوفيد-19 باقية في أي مكان، فإن البلدان التي نجحت في القضاء عليها ستظل تعاني من موجات إضافية من العدوى. ومع ذلك، كانت الولايات المتحدة غير قادرة على إدارة الأزمة في الداخل: فقد توفي أكثر من 120 ألف أميركي، وتستمر حالات الإصابة بالعدوى في الارتفاع بمعدل يتجاوز 25 ألف شخص يوميا.

لا تستطيع الولايات المتحدة استعادة القيادة العالمية المهيمنة التي كانت لها في الماضي، ولا ينبغي لها أن تحاول. إن العالم يتحول نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث، كما أوضح العالم السياسي جوزيف س. ناي من هارفارد، تتوزع القوة بين دول قومية متعددة، ومؤسسات متعددة الجنسيات، وقوى غير تابعة لدول بعينها، ومجتمعات متنوعة (من حيث العِـرق، والنوع الاجتماعي، والدين، والثقافة). في الوقت ذاته، أصبحت التحديات ذات طبيعة عالمية على نحو متزايد، والجائحة خير مثال على ذلك.

تتمثل الاستجابة العقلانية من جانب الولايات المتحدة في قيادة جهود تعاونية لمواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك الركود الذي يلوح في الأفق، والارتباك التكنولوجي، وتغير المناخ. ولكي تنجح هذه الجهود، يتعين على أصحاب المصلحة كافة ــ بما في ذلك خصوم الولايات المتحدة مثل الصين وروسيا وإيران ــ أن يشاركوا.

أثبت ترمب كونه أي شيء غير رجل عقلاني. لكن الادعاءات القديمة من جانب الحزبين حول الاستثنائية الأخلاقية، وتصور الصين كخصم استراتيجي، والهموم المحلية المتزايدة، والافتقار إلى الوضوح السياسي، كل هذا يشير إلى أن التعاون الذي تقوده الولايات المتحدة والذي يحتاج إليه العالم لن يأتي قريبا، حتى لو أُبـعِـد ترمب في انتخابات الرئاسة في نوفمبر/تشرين الثاني.

هذه هي الرسالة التي تلقتها الصين على الأقل. وكما تخشى الولايات المتحدة التدخل الأجنبي في انتخاباتها، فإن الصين، التي تعتبر الاستقرار الداخلي والأمن الوطني عاملين شديدي الأهمية للتنمية، تخشى التدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية. وعلى هذا فإن الخصومة بين الولايات المتحدة والصين قد لا تتلاشى في أي وقت قريب.

مع ذلك، كما يوضح كتاب بولتون، فإن ترمب يظل غير ملائم على نحو منقطع النظير للقيادة الوطنية، ناهيك عن العالمية. ومع اقتراب الولايات المتحدة من الانتخابات الرئاسية المقبلة، ينبغي للناخبين أن يتذكروا تأكيد الرئيس دوايت أيزنهاور الشهير: "إن الأميركيين فقط هم القادرون على إلحاق الأذى بأميركا". فلا يمكن لأي قوة ــ ولا حتى الصين أو روسيا ــ أن تهزم الولايات المتحدة اقتصاديا، أو تكنولوجيا، أو عسكريا. ولكن بإعادة انتخاب ترمب، قد يقوض الأميركيون بشدة مصالحهم ويدفعون العالم نحو مستقبل متزايد القتامة والبؤس.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

https://prosyn.org/i1NRKI4ar