2

لماذا يجب على الشركات رفض مطالبة ترمب بالتحرر من القوانين والنظم؟

لندن – ربما يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حلماً أصبح حقيقةً للشركات الأمريكية وبوصفه رجل أعمال – كما يذكرنا في أغلب الأحيان – يتطلع ترمب إلى إرضاء الشركات عن طريق تحريرها من القيود التنظيمية على نطاق واسع، ولكن إذا لم تأخذ الشركات حذرها، فسوف تندم على الآمال التي كانت تسعى إلى تحقيقها.

وكما يتسم حكم ترمب باعتماده على منطق العقل اللاواعي، فإنه يسعى إلى السماح لقادة الأعمال بإدارة شركاتهم بالطريقة ذاتها، وهو أمر من المؤكد أنه مغريٍ للبعض من قادة الأعمال، بل إن الشركات تنتظر دورها للاستفادة من تراجع مستوى خصوصية البيانات، والقواعد البيئية، وحماية العمال، والأنظمة المصرفية، وحقوق العملاء، والقواعد ذات الصلة بالمعادن المؤججة للصراعات، بينما يحرص الكثيرون من قادة الأعمال على معرفة إلى أي مدى يمكنهم الضغط على إدارةٍ تبدو حتى الآن مستعدةً للموافقة على القيام بأي شيء.

ولكن، وعلى النقيض من خطاب ترمب، فإن هذا النهج لا يخدم مصلحة الشركات في واقع الأمر ؛ ذلك أن سعي إدارة ترمب لإحداث تحرر جذري من القيود التنظيمية يعني أنها تقوم عملياً بمطالبة الشركات بإلحاق الضرر بالعملاء، والبيئة، بل وبتعرض هذه الشركات نفسها للضرر على المدى البعيد. والحقيقة أنه مع اكتشاف عواقب الإجراءات التي ستتخذها الشركات في هذا الصدد، ستنهار  ثقة الجمهور في هذه الشركات – فضلا عن الحكومة التي كان من المفترض أن تعمل على تنظيمها. ومن ثمّ يتحتم على لجان المخاطر التابعة لمجالس إدارة الشركات أن يقوموا بدق ناقوس الخطر تجاه هذه المبادرة.

الجدير بالذكر أن ثقة الجمهور في المؤسسات تتسم بضعفها بالفعل، ففي جميع أنحاء العالم المتقدم، تواجه الشركات، شأنها في ذلك شأن الحكومات، الشكوك والغضب المتنامي لدى الجمهور الذي يشعر معظمه بانتهاك حقوقه والاستخفاف به. وبدلاً من أن تستفيد الشركات من التحرر من القيود التنظيمية لتحسين هامش أرباحها، على حساب العملاء والمجتمعات، فإنه ينبغي لهذه الشركات أن تبذل قصارى جهدها لتعزيز مبدأ الشفافية.

ولكن ماذا عن توفير فرص العمل؟ حيث إن ذلك يُعدّ في الأساس أحد الركائز المهمة في خطة ترمب الاقتصادية – وهو هدف يزعم ترمب أن التحرر من القيود التنظيمية سيقطع شوطاً طويلاً لتحقيقه، والنتيجة المحتملة هنا أيضاً لن ترقى إلى مستوى خطاب ترمب.

ومما لا شك فيه أن التحرر من القيود التنظيمية قد يعمل على توفير عددٍ من فرص العمل الجديدة على مدى الأعوام العشرة القادمة أو ما قارب ذلك، ولكن لن تكون هذه الوظائف ضمن فئة وظائف التعدين أو التصنيع المبتغاة التي دائماً ما يَعِد ترمب بتوفيرها؛ حيث من المرجّح أن تقع هذه الوظائف في نطاق مشاريع الإصلاح البيئي على سبيل المثال، وربما تظهر أو تتطور بعض التخصصات الطبية الإضافية لمعالجة تبعات النتائج مثل ممرات المياه الملوثة.

إن التقيد بالأنظمة، وبخاصة القواعد البيئية، يعمل أيضاً على إيجاد أنواعٍ جديدةٍ من الوظائف، فالطاقة النظيفة، على سبيل المثال، توفر بالفعل وظائف جديدة أسرع من أي قطاع آخر تقريبا في الاقتصاد الأمريكي – وهو اتجاه، إذا توافرت له السياسات المناسبة، من الممكن أن يواصل اكتساب الزخم. ولكن، وبدلا من تنفيذ السياسات المناسبة، تسعى إدارة ترمب إلى تدمير هذه السياسات.

وهذا يتسبب في إيجاد معضلة للشركات في شتى أنحاء العالم، ففي الماضي، كانت الشركات قادرةً إلى حدٍ كبيرٍ  على تلافي المناقشات الشائكة بشأن القضايا الأخلاقية والمعنوية فقط باتباعها القانون. أما الآن فيتحتم على مجلس الإدارة والفرق التنفيذية أن تدرس بعناية كيفية إيجاد توازنٍ بين أهدافها التجارية قصيرة الأجل و آفاق أعمالها طويلة الأجل، إلى جانب التزاماتها الأخلاقية الأساسية. وعلى غرار معضلة السجين، سيضطر الرئيس التنفيذي إلى إصدار قرارٍ بشأن قدرة الشركة على المخاطرة بالخسارة أمام المنافسين الذين يستغلون الفرص السانحة، مثل قدرتهم على التخلص من رماد الفحم السام في الجداول والأنهار مع إفلات كامل من العقاب.

ولحسن الحظ، يبدو أن بعض الشركات تتخذ القرار الصحيح؛ حيث ترفع أصواتها تأييداً للإبقاء على القيود التنظيمية، وبخاصة تلك القيود التي تهدف إلى التخفيف من آثار تغير المناخ، فلقد تعهدت شركة البيع بالتجزئة "جاب إنك"، والشركة العالمية لصناعة الأغذية والمشروبات "مارس إنك"، والشركة المصنّعة للبيرة "أنهيوزر-بوش إن بيف" وشركة التكنولوجيا "مايكروسوفت"، وغيرها من الشركا بمواصلة الالتزام بالقيود التنظيمية البيئية التي يجرى القضاء عليها حالياً.

ولكن لا تزال هذه الشركات تُمثّل أقليةً، وبالتالي، يتحتم على مجالس الإدارة، وكبار المستثمرين الدوليين، والعملاء التحرك بسرعة لإقناع المزيد من الشركات بالانضمام إليهم.

 وكما أوضحت "فصول ربيع المساهمين" على مدار عدد من الأعوام الماضية، فإن المستثمرين، وبخاصة فيما يتعلق بصناديق الأسهم الخاصة و صناديق الثروة السيادية – يمكنهم تحويل مسار صنع القرار المؤسسي، وأيضاً، يستطيع المستهلكون الذين يعبرون عن آرائهم بجرأة، باستخدام عدد من الوسائل مثل التظاهرات أو صفحات التواصل الاجتماعي، تحويل الاتجاه إلى قطاع عريض من القضايا، بدءاً من الأجور وصولاً إلى المسؤولية المؤسسية.

شهد الأسبوع الماضي فقدان مذيع قناة "فوكس نيوز" بل أوريلي وظيفته، على الرغم من أن برنامجه يُعدّ من البرامج الإخبارية التلفزيونية الأكثر شهرةً، عندما قامت شركات الإعلان، تحت وطأة الضغط الشعبي، بالاستغناء عنه سريعاً. وقد تسبب الكشف عن أن بل أوريلي والشركة الأم كانا قد دفعا 13 مليون دولار أمريكي للعديد من الفتيات لتسوية شكاوى التحرش الجنسي المقامة ضده في جعل وضعه شديد الخطورة بالنسبة لشركات الإعلان، التي رأى الكثير منها جسامة المخاطر المصاحبة لإقصاء عملائها – والموظفين العاملين لديها.

ومع بداية موسم اجتماع الجمعية العمومية للشركات التي تطرح أسهمها للتداول العام، يُعدّ الوقت الحالي الوقت المثالي لحملة الأسهم وأصحاب المصالح للإفصاح للشركات عن الأفكار التي تدور في أذهانهم. وفي حال قرر أصحاب الشركات الاستفادة من دعوة ترمب للتحرر من القيود التنظيمية، فلابد من إجبارهم على الإحساس بتبعات هذا القرار على الفور وبشكل مباشر.

الجدير بالذكر أن هذه المشكلة لا تقتصر على أمريكا وحدها؛ بل سيمتد الأثر السلبي للتحرر من القيود التنظيمية إلى جميع الشركات المنتشرة في جميع أرجاء العالم، وبخاصة إذا ما تم السماح للشركات متعددة الجنسيات المتركزة في الولايات المتحدة التي ستستغل ذلك التحرر من القيود التنظيمية بالاستفادة من هذا الخيار، وسيترتب على ذلك تشجيع الشركات المتمركزة في دول أخرى أن تحذو حذوها.

لم يقم أحد بإنتخاب الشركات لغرض إدارة العالم. (إن نوع القيادة التي أظهرته مؤخراً شركات أمثال "أوبر"، و "بيبسي" و "يونايتد أيرلاينز" ليس هو ذلك النوع الذي يرغب الناخبون في أن يكون متوفراً في حكومتهم). ولكن مما لا شك فيه أن القرارات التي تتخذها الشركات تكون عواقبها بعيدة المدى، وإذا سقط مديرو هذه الشركات فريسة لنظام الحوكمة القائم على منطق العقل اللاواعي الذي جلبه ترمب للولايات المتحدة، فإنها حتماً ستتعرض للخسارة بذات الطريقة التي سيتعرض لها ترمب. والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه: هل ستُضطر هذه الشركات، على عكس ترمب، إلى تنظيف الفوضى التي صنعتها أيديها.