1

الاستثناءات تصبح القاعدة

نيويورك ــ قبل فترة طويلة، عملت كمحللة في وال ستريت. وكانت أول شركة قمت بتحليلها فيدرال إكسبرس، والتي لم تكن في ذلك الوقت قد شحنت بعد أول طرد بريدي.

كانت الفكرة وراء فيديكس بسيطة ومقنعة: فقد كانت التكاليف المترتبة على التعقيد أعلى من تكاليف النقل الجوي، وعلى هذا فإن الأمر برمته يقوم على إرسال الشركة لكل طرودها أثناء الليل إلى ممفيس وتينيسي. ومن خلال التبسيط الجذري للتركيبات التي لا تحصى ولا تعد من نقاط الانطلاق والمقصد ــ فكانت الطرق الوحيدة إلى ولاية ممفيس ومنها ــ بات من الممكن تسليم كل الطرود في اليوم التالي بشكل موثوق.

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

ثم تغير كل هذا بفضل التطورات في تكنولوجيا المعلومات. فبالاستعانة بأجهزة الكمبيوتر القوية اليوم، أصبح بوسعنا أن ننظر إلى كميات هائلة من المعلومات ومحاكاة مواقف معقدة، وأن نتوصل إلى تكهنات دقيقة إلى حد بعيد بشأن العديد من الأمور: على سبيل المثال، كيف قد تبدو تدفقات المرور في يوم الثلاثاء في الساعة الخامسة عصراً إذا وضعنا تحويلة على هذا التقاطع من الطريق السريع؟ وما هي النسبة من الناس الذين قد تتحسن صحتهم باستخدام هذا العقار ــ والأمر الأكثر تشويقا، أي الأفراد الذين قد يستجيبون بشكل خاص إيجابيا، وأيهم من المرجح أن يتعرضوا للأذى من هذا العقار؟

ومع القدرة على تقديم تكهنات جديرة بالثقة، يصبح بوسعنا أن نقسم الناس والأمور إلى فئات، سواء قطاعات من السوق، أو مخاطر التعرض للأمراض، أو احتمالات العجز عن سداد الديون، أو المشتريات المحتملة، وما إلى ذلك. وهي بيانات تتسم بالضخامة.

ولكننا الآن نستطيع أن نتعامل أيضاً مع "البيانات الصغيرة". وبوسعنا أن نتعامل مع العديد من الأشياء، وحتى الطرود، وكأنها أفراد. أي أن الاستثناءات ــ سواء الأنماط الجينية الفردية، أو تفضيلات الخصوصية بين الأفراد، أو الحقوق الرقمية في استخدام المحتوى في سياقات بعينها ــ أصبحت هي القاعدة. ولم نعد في احتياج إلى تخمين تفضيلات الخصوصية لكل فرد أو الرضا بمقاس واحد يناسب كل السياسات.

وبمرور الوقت، سوف نصبح قادرين على تحديد أي الأشخاص، اعتماداً على أنماطهم الجينية، قد يساعدهم عقار بعينه أو يضرهم، أو كيف يمكن تعليم الأطفال على أفضل نحو من خلال المردود المشخص، أو كيف يمكننا إنتاج الأثاث والملابس في عالم الطابعات الثلاثية الأبعاد ووضع النماذج في الزمن الحقيقي. وهلم جرا. هل ترغب في كسوة جلدية أو قماشية لمقاعد سيارتك المصنعة خصيصاً طبقاً لمواصفاتك يا سيدي؟

الواقع أن السوق سوف ترقى إلى مستوى التحدي. وسوف يتمكن الناس الذين يهتمون بأمر شيء ما من تحديد تفضيلاتهم إلى درجة بالغة الدقة والحصول على ما يريدونه بالضبط. وبالنسبة لآخرين، فإن تحديد هذه التفضيلات أو تحديد رغباتهم قد يستغرق في واقع الأمر قدراً من الانتباه أكبر مما يريدون تخصيصه لهذه المهمة. لذا فإن التحدي المرتبط بالتصميم في المستقبل سوف يتلخص في خلق اختيارات افتراضية جيد�� بالاستعانة بأدوات تحرير/وتخصيص سهلة بالنسبة لأولئك الذين يهتمون.

بيد أن هذا التغيير من شأنه أيضاً أن يثير تساؤلات اجتماعية وسياسية عصيبة، وخاصة في ما يتعلق بتفضيلات الخصوصية والرعاية الصحية ــ وكل منهما قضية مثيرة للجدال بالفعل.

بطبيعة الحال، لا أحد يستطيع أن يحدد الخصوصية أو يضمنها. ولكن الأفراد قادرون على الحصول على الفرصة للسيطرة على استخدام بياناتهم الخاصة ــ وبوسع الكيانات الراغبة في استخدامها أن تتفاوض معهم. وحاليا، يقول المعلنون والناشرون على شبكة الإنترنت إن أعمالهم تعتمد على قدرتهم على تعقب الناس وجمع البيانات وإعادة بيعها. وهم يزعمون فضلاً عن ذلك أن احترام تفضيلات الأفراد أمر بالغ التعقيد، وأن إخبارهم كيف يتم استخدام بياناتهم أمر أيضاً بالغ الصعوبة، ومن غير المجدي التعالم معهم كأفراد.

ومع هذا فإن جامعي البيانات قادرون بشكل أو آخر على تسجيل تاريخ مشتريات الأفراد، وتفضيلاتهم بالنسبة للمقعد في رحلات الطيران، وما إلى ذلك. وليس هناك من سبب قد يمنعهم من تسجيل كيف يمكن استخدام كل قطعة من هذه البيانات ومن قد يستفيد منها.

الواقع أن الملايين من الناس الآن بدءوا في تعيين تفضيلات الخصوصية على الفيسبوك، فيختارون على سبيل المثال الخروج من خاصية تمكين الآخرين من تتبعهم، وما إلى ذلك. وهم من ناحية أخرى يتقاسمون بسرور البيانات مع البائعين بل وحتى يتتبعون بياناتهم الخاصة ــ سواء عدد الأميال التي قطعوها سفراً بالطائرات، أو الخطوات التي يسيرونها، أو نزولهم في الأماكن التي يفضلونها (وخاصة إذا كان بوسعهم أن يحصلوا على خصومات أو عروض خاصة)، أو مشترياتهم من الأفلام والموسيقى والكتب.

ولنفترض الآن أنك تستطيع أن تخبر الناس لمن بعت بياناتك. الواقع أن أغلب الناس لن يهتموا، ولكن من يبدون اهتمامهم فسوف يقدرون الشفافية، بل وربما يرغبون في حصة ضئيلة. ولنفترض أنك بدأت عملاً تجارياً يدير البيانات بالنيابة عن المستخدمين.

إنها ليست فكرة مجنونة ــ فشركات الطيران، بين شركات أخرى تقوم بهذا بالفعل بدرجة ما. فشركات مثل يونايتد، وأميريكان، وبريتيش اير وايز تعرف جميعها بالفعل أنماط سفري وترحالي على خطوطها، وتساعدني في إدارة رحلاتي السابقة (والمكافآت المرتبطة بها) وتواريخ حجزي في المستقبل. وتفعل شركة مينت نفس الشيء في التعامل مع بياناتي المالية؛ وشركة ويلنيس إف إكس في التعامل مع مؤشراتي الحيوية في تحليل الدم. كما تخطط شركة بادئة حديثة تسمى "موفين" لتتبع المدفوعات الصغيرة بحيث يصبح بوسعك أن تتابع في الزمن الحقيقي مدى التزامك أو انحرافك عن ميزانيتك.

وكل هذا يصادف نجاحاً ملموساً في أسواق السلع والخدمات، حيث يستطيع الأشخاص الراغبون في الاختيار أن يدفعوا في مقابلها. وبوسع الشركات أن تتعامل مع عملائها كأفراد، وأن تمنحهم الكم الخاص من الاهتمام الذين هم على استعداد للدفع في مقابله. وبوسع الشركات أيضاً أن تقرر عدم تقديم الخدمة لبعض العملاء، فتركز على الشرائح الأكثر ربحية.

ولكن هذا النهج لا يصلح في التعامل مع الأمور التي تدفع الحكومة في مقابلها (من أموال ضرائب أشخاص آخرين). ففي القطاع العام، لا تزال الغلبة لنهج المقاس الواحد الذي يناسب الجميع. في الأنظمة الديمقراطية، يحصل كل مواطن على صوت واحد. أليس من حق الجميع أن يحصلوا على نفس الفوائد إذن؟

صحيح أنن نفرض الضرائب على الناس ونعطي الفقراء بعض الفوائد، وهذا مثير للجدال بالقدر الكافي. ولكن فكر في كل الخدمات النوعية والظروف التي تجعل للأفراد تفضيلات واحتياجات مختلفة، ونتائج أصبح التكهن بها الآن ممكن وبقدر أكبر من الدقة. فإذا كان بوسعنا أن نتكهن بالنتائج الفردية، فما هي مسؤولية الفرد، وما هي المهام التي تظل جماعية؟

وتصبح مثل هذه التساؤلات حادة بشكل خاص في مجالات مثل التعليم والرعاية الصحية. على سبيل المثال، نحن نتعامل مع الأطفال بشكل مختلف في المدارس بما يتفق مع قدراتهم وإمكاناتهم ــ كما نفهمها. ولكن إذا ساعدنا بعض الأطفال "في تحقيق إمكاناتهم"، فهل يعني هذا بالضرورة أننا نحد من إمكانات أطفال آخرين؟

Fake news or real views Learn More

وعلى نحو مماثل، كيف يمكننا تخصيص موارد الرعاية الصحية؟ وأي المسؤوليات يتحملها الأفراد في ما يتصل بتعديل سلوكهم في الاستجابة لنقاط ضعفهم الفردية واستعداداتهم؟ والأمر الأكثر أهمية هو مَن مِن حقه أن يفرض هذه المسؤوليات ــ إن كان هناك من ينبغي له أن يفرضها؟

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali