3

النبل المتواضع لإيلي ويزل

باريس - لقد بدأ الأمر في عالم لم يعد موجودا، في حدود روتينيا، بوكوفينا، وغاليسيا، هذه الأماكن المنسية التي كانت تشكل مجد إمبراطورية هابسبورغ واليهودية الأوروبية. بعد سبعين عاما، كل ما تبقى من هذا العالم  هو عبارة عن قصور محطمة وكنائس باروكية فارغة، ومعابد يهودية دمرت ولم يعد بناؤها أبدا. والآن فقدت واحدا من آخر شهودها: إيلي ويزل.

لقد نجا فيزل من الإبادة الجماعية، ومنها شهد ولادة ثانية، وكرس حياته، في خوف ورعدة، لإحياء أولئك الذين قضوا نحبهم. هذا بالنسبة لي، هو ما يبرز في حياة مؤلف كتاب "ليلة" و كتاب "رسل الله".

Chicago Pollution

Climate Change in the Trumpocene Age

Bo Lidegaard argues that the US president-elect’s ability to derail global progress toward a green economy is more limited than many believe.

في السنوات التي تلت عام 1945، رافق  فيزل أعظم العظماء. وقد حصل على مراتب عالية في جميع أنحاء العالم، وتلقى الإعجاب بصفته يهودي مينوهين. لكنه لم يكف عن كونه يهودي، هذا اليهودي البسيط، الناجي الذي كان قلبه يدق حين يمر بجمارك الحدود في نيويورك أو باريس.

أخذ فيزل على نفسه مهمة واحدة، مستحيلة وحاسمة في آن واحد: ليصبح قبرا حيا، وتابوتا، لمتسولي سيغيت، ولغيتو الهازيدي الهزلي، وعدد لا يحصى من الذين كانوا في مواجهة صمت الله يرددون ابتهالاتكاديش قبل وفاتهم. لهذا، كان يتكلم بلسانه، وليس لغته الأم، فقط الفرنسية التي تعلمها في دار الأيتام للأطفال المرحلين في سن 15 - وبعد ذلك رجع إلى عزف كمانه. ودون عمل ويزل، لن يبق هناك أي أثر لحياة العديد من الناس الذين تحولوا إلى رماد ودخان.

أنا لا أعرف ما إذا كان ويزل كاتبا "عظيما" أم لا. لكن أنا مقتنع أنه، مثل بيني ليفي، صديق آخر، يعتقد أن يهوديا من نوعه لم يأت إلى العالم لاتخاذ الأدب كمهنة.

لم يحظى عمل ويزل بسمو يتعذر بلوغه مثل كافكا، ولا سلطة سامية كالكاتب بروست. فهو ربما يفتقر إلى كياسة بول سيلان، الذي كتب انه في البلاد المشتركة، لا يجد المرء شيئا سوى الكتب والرجال.

لكنه من القلائل الذين تكلموا عن أشياء لا توصف حول المخيمات. وكان له ولشخصيات من أمثال  بريمو ليفي واٍيمري كيرتيش - كم عدد الآخرين؟ - الشرف الرهيب بعد الشعور بستة ملايين من الظلال يضغطون على خياله الضعيف، في محاولة لكسب مكانهم تدريجيا في كتاب الموت العظيم.

ومن فضائله العظيمة الأخرى، ربما، هو ضمانه، من خلال عمله و في أذهان المتأثرين به، أن الذاكرة المظلمة لهذا الاٍستثناء أعني المحرقة لن تستبعد - في الواقع، تتطلب المحرقة - التضامن التام مع ضحايا جميع الإبادات الجماعية الأخرى.

أتخيل فيزل في عام 1979 على الحدود الكمبودية، حيث التقيت به للمرة الأولى، تسريحة شعره المألوفة ووجهه الوسيم. لقد كان أول شخص سمعته يتكلم عن نظرية الحماقة المؤسفة للذين يتقاسمون فكرة الضحية التنافسية، أولئك الذين يصرون على أنه علينا أن نختار أمواتنا - اليهود أو الخمير الحمر، شهداء هذه الإبادة الجماعية أو تلك.

أتخيله أيضا بعد سبع سنوات في أوسلو، حيث رافقته للحصول على جائزة نوبل التي أرادها بشدة. وعند نقطة واحدة أظلم وجهه فجأة كما لو لحق به قلق غير مبرر. تعابير وجهه يطغى عليها الحزن  والتي يمكن أن تتغير من لحظة فرح ومرح، إلى الحزن غير المتناهي لشخص لن يشفى أبدا بعد أن شهد أسوأ ما يمكن للاٍنسان أن يشاهده.

"جائزة نوبل"، قال بتأمل، "من الآن فصاعدا سوف أكون الفائز بجائزة نوبل، ولكن هناك عنوان واحد يهمني ، وهو Rebbe (المدرس)، وأنا أعلم أنني لست كذلك. أنا أعلم أنني سأكون دائما مجرد "طالب لمعلم".

ثم عقد فيزل الاجتماع الأخير مع فرانسوا ميتراند، أبي الهول، ومكيافيلي من قصر إليزيه. وفي لقاءاتهم السابقة، فقد تشارك ابن  القرية من سيغيت والبرجوازي من شارانت، رموزا كثيرة ومبادلات طويلة وعميقة، والتي على ما أعتقد، قد أشعلت بعض المودة المتبادلة بين الرجلين. كان لدى فيزل شعور إعادة الاٍكتشاف، تحت سلطة الرئيس، شيء من قلق كاتب يحمل نفس اسم ميتراند، فرانسوا مورياك، الذي قام بحماية فيزل بعد عودته من معسكر أوشفيتز والذي كان يشعر معه كما لو ساعد على التخفيف من سلالة دامت لألف سنة بين اليهود والمسيحيين.

ولكن بعد ذلك، في هذا الاٍجتماع الأخير، تعلم ويزل ، شيئا فشيئا، أن ميتراند أمير ماريست قد ذهب دون مبالاة للعب الغولف في اليوم الذي أقدم فيه ملازمه المخلص، بيير بيريكوفوي، على الاٍنتحار، وقد تابع ميتراند لآخر لحظة، الدفاع عن رينيه بوسكيه، رئيس شرطة فيشي وشاجب اليهود. هل تم خداع فيزل أو ضمه؟ فقد كان يعرف يهود المحكمة. والآن فقد كٌرس كيهودي رسمي، ويبدو أنه قد نسي مقولة تقشعر لها الأبدان من بيركي آفوت ("أخلاقيات الآباء"): "لا تسعى وراء المودة المفرطة مع السلطة الحاكمة"، وقد عرف الآباء الأولون أن إغراء مثل هذا التكريس يعتبر وهما وفخا.

وستظل عظمة ويزل ، في جميع الظروف، كواحد من أولائك اليهود المتواضعين الذين اعتبرهم تاج الإنسانية. نبله يتمثل في عدم نسيان الدرس المستفاد من معلم  فيشنتز، حتى بعد أن ارتدى رداء رجل الأدب، لكنه يتحمل عبء أولائك، المزينين بالقفطان وقبعة من الفرو، الذين أرادوا أن يكونوا أنيقين مثل النبلاء البولنديين الذين قادوهم إلى المذابح.

وأعتقد أنه لم يمر يوم في حياة فيزل الطويلة كمفكر شهير، تم تكريمه من قبل الجامعات العظيمة وتمت استشارته من قبل الرؤساء، دون إنفاق ساعة على الأقل لقراءة صفحة من التلمود أو الزوهار مع العلم أنه من البداية لن يفهم شيئا مما يقرأ، إلا أن هذا كان ثمن الاٍحتفال الحقيقي الوحيد.

Fake news or real views Learn More

هذا ما فعله قومه في سيغات، معتقدين أن المسيح سيأتي في يوم من الأيام. وهذا ما نقوم به اليوم عندما ندرك أنه لا كمبوديا، ولا دارفور، ولا المجازر في سوريا، ولا الحاجة، في أي مكان على هذا الكوكب، لطرد الوحش الذي ينام في الاٍنسان يجب أن يصرفنا عن المهمة المقدسة لإنقاذ ما في وسعنا من ذاكرة، ومعنى، وأمل.

هذا هو الدرس المستفاد من إيلي ويزل. ندعو أن ينير طريقنا في وقت مهووس، أكثر من أي وقت مضى، بالجريمة، والاٍلهاء، والنسيان.