10

تغذية العقول الشابة

نيودلهي ــ من بين القصص العديدة الحزينة التي نشأت مؤخراً في الهند، كانت القصة الأكثر إثارة للحزن والتعاسة تتعلق بمقتل 23 من تلاميذ المدارس في شهر يوليو/تموز في تاشبرا، البلدة الرئيسية في منطقة ساران الريفية الفقيرة في ولاية بيهار. فقد تسمم الأطفال بسبب وجبات منتصف النهار ــ التي تشكل جزءاً مهماً من برنامج التغذية الذي تديره الحكومة في المدارس ــ التي تم طهيها كما يبدو في زيت مخزن بإهمال في حاويات مستخدمة لمبيدات حشرية. والحق أن هذا الرعب التام ــ أن يصطحب الآباء أطفالهم بسلام إلى المدرسة فقط لكي يقتلوا هناك بسبب شيء كان المقصود منه أن يفيدهم ــ أمر لا يطاق.

وكان رد الفعل متوقعا: إبداء الحزن والأسف بشكل صاخب مسرحي إزاء انعدام كفاءة الخدمات الحكومية في الهند (وخاصة في المناطق الريفية)، ومعايير النظافة البائسة في البلاد، والتنفيذ المهمل حتى للخطط الوطنية الرائدة من قبل حكومات الولايات الثماني والعشرين في الدولة. والواقع أن خطة وجبة منتصف النهار ذاتها تعرضت لانتقادات شديدة في الهند والخارج باعتبارها إسرافاً وبزعم أنها تؤدي إلى نتائج عكسية. "الوجبات المدرسية المجانية تقتل الأطفال الهنود"، هكذا صرخ أحد العناوين الرئيسية. حتى أن أحد المعلقين ذهب إلى الادعاء بأن هناك "القليل للغاية من الأدلة التي تشير إلى أن أطفال المدارس يحصلون على أي قيمة غذائية حقيقية من هذه الوجبات".

Erdogan

Whither Turkey?

Sinan Ülgen engages the views of Carl Bildt, Dani Rodrik, Marietje Schaake, and others on the future of one of the world’s most strategically important countries in the aftermath of July’s failed coup.

ينظر المنتقدون إلى الخطة باعتبارها عَرَضاً يدل على حكومة ضخمة تعيث في الأرض فساداً ويتساءلون عن الضرورة التي قد تجعل أي حكومة تطعم أطفال المدارس. والإجابة في الهند هي أنه لا توجد جهة أخرى غير الحكومة قادرة على الاضطلاع بهذه المهمة. وبرغم أن برامج صغيرة عديدة لتقديم وجبة الغداء المدرسية كانت موجودة من قبل، فإن فكرة وضع مخطط ضخم تدعمه الحكومة نشأت قبل ثلاثة عقود من الزمان في ولاية تاميل نادو الجنوبية.

فعندما قدم رئيس وزراء ولاية تاميل نادو في ذلك الوقت ــ النجم السينمائي م. ج. راماشاندران ــ فكرة الوجبة المدرسية المجانية على مستوى الولاية، تعرضت الخطة لانتقادات واسعة النطاق باعتبارها شعبوية وغير مسؤولة ماليا. فالأطفال كما زعم المنتقدون يذهبون إلى المدرسة لكي يتعلموا وليس لكي يأكلوا. ولكن إذا كان الأطفال لا يحصلون على الطعام الكافي، فلن يتمكنوا من التعلم: فالبطون الخاوية تجعل ملء العقول صعبا.

ولكن الناخبين في ولاية تاميل نادو، والذي دعموا الخطة في وقت الانتخابات، أسكتوا المنتقدين. وكذلك فعلت نتائج الخطة ــ فقد تحسنت معدلات القراءة والكتابة ومستويات التغذية. وسرعان ما بدأت ولايات أخرى في محاكاة البرنامج، وفي عام 1995 حذت الحكومة المركزية حذو الولايات، فعملت على تكميل ميزانيات حكومات الولايات حتى يصبح بوسع الأطفال في مختلف أنحاء البلاد أن يتمتعوا بنفس الفوائد. واليوم تنفذ أكثر من 87% من المدارس الحكومية هذه الخطة.

إن خطة وجبة منتصف النهار ــ التي تكلف الحكومة الهندية ما يزيد قليلاً على 2 مليار دولار، مع تكفل حكومات الولايات بالتمويل الإضافي ــ تطعم نحو 120 مليون طفل من أطفال المدارس في أكثر من مليون مدرسة ابتدائية في مختلف أنحاء البلاد. ومن خلال توفير التغذية المجانية والمتوازنة لأطفال المدارس، قدمت الخطة حافزاً قوياً للأسر الفقيرة لإرسال أطفالها إلى المدرسة، وبنفس القدر من الأهمية لإبقائهم هناك طيلة اليوم.

وبفضل هذه الخطة تحسنت معدلات الحضور في المدارس، وأحياناً بنسبة تصل إلى 10%، وانخفضت معدلات التسرب. والواقع أن إلزام الأطفال من مختلف الطوائف بتناول نفس الوجبة في نفس الوقت ونفس المكان أسهم في كسر الحواجز الاجتماعية في مجتمع طبقي للغاية.

وقد استفاد الأطفال الذين لا تستطيع أسرهم إطعامهم بالشكل اللائق إلى حد كبير. وفي المناطق المتضررة بالجفاف، سمحت وجبة منتصف النهار للأطفال الذين كانوا ليتضورون جوعاً لولا ذلك بالتغلب على سوء التغذية. وقد ثبت عدم صحة الادعاءات بأن الخطة تفتقر إلى القيمة الغذائية. في تقرير نشرته الباحثة فارزانا أفريدي في صحيفة اقتصاد التنمية تقول إن البرنامج "نجح في تحسين المأخوذ من التغذية من خلال الحد من نقص البروتين اليومي لدى أطفال المدارس الابتدائية بنسبة 100%، ونقص السعرات الحرارية بنسبة 30% تقريبا، ونقص الحديد اليومي بما يقرب من 10%.

ولكن في حين ضمنت الفوائد المترتبة على خطة وجبة منتصف اليوم شعبيتها، فإن جودة تنفيذها تتفاوت من ولاية إلى أخرى. وتقدم الحكومة الوطنية الأموال للطهاة والمساعدين، كما وضعت مبادئ توجيهية لتنفيذ البرنامج، ولكن المدارس تقع ضمن اختصاص حكومات الولايات، وبعضها أكثر قدرة من غيرها على الحفاظ على المعايير المطلوبة لتقديم خدمة جديرة بالثقة. وقد تخلف عدد كبير من الولايات الشمالية، مثل بيهار، في توفير المطابخ ومرافق التخزين والأواني. وكانت القاعدة التي تتطلب قيام شخصين بالغين على الأقل بتذوق الوجبات قبل تقديمها للأطفال موضع تجاهل غالبا، كما حدث في مأساة تشابرا.

والواقع أن المحاولات الرامية إلى فرض القاعدة قوبلت بمقاومة غير متوقعة من جانب المعلمين، الملزمين بأداء واجب التذوق بالتناوب فيما بينهم: فقد احتجوا بأن وظيفتهم في المدرسة تعليم الأطفال وليس تذوق الطعام. حتى أن بعض نقابات المعلمين رفضت أداء هذه المهمة.

وكان الأمر الأكثر إثارة للحزن والأسى ردود فعل بعض الآباء في ولاية بيهار، الذين سحبوا أطفالهم من المدرسة تجنباً للمخاطرة بإصابتهم بالتسمم. والحق أن مثل هذه المخاوف مفهومة ولكنها مبالغ فيها بشكل واضح. فقد أسهمت مأساة تشابرا على الأقل في تركيز الانتباه على الخطة التي يتعامل معها الرأي العام كأمر مفروغ منه إلى حد كبير. ولكنه أمر يدعو للأسف والرثاء الشديد، في استقصاء ما وقع من خطأ، أن تحجب أوجه القصور التي تعيب البرنامج إنجازاته.

Support Project Syndicate’s mission

Project Syndicate needs your help to provide readers everywhere equal access to the ideas and debates shaping their lives.

Learn more

لقد نجحت خطة وجبة منتصف النهار في تحويل حياة كثيرين وساعدت في تعليم جيل من أطفال المدارس الفقراء. ولابد من محاكاة هذه الخطة في دول أخرى نامية، وليس نبذها بسبب كارثة كان من الممكن تجنبها. والواقع أن مأساة تشابرا سوف تتضاعف إذا انتهت إلى عرقلة البرنامج الذي يستفيد منه الملايين من الأطفال وأسرهم كل يوم.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali