6

هل مستقبلنا الإقتصادي خلفنا ؟

شيكاغو- نظرا لإن الإقتصاد العالمي لم يستعد عافيته بعد منذ الأزمة الإقتصادية سنة 2008 تزداد المخاوف المتعلقة بالمستقبل-وخاصة الإقتصادات المتقدمة-. لقد أثار زميلي في جامعة نورثوسترن روبرت ج جوردن إهتمام العديد من الإقتصاديين عندما جادل في كتابه الأخير صعود وسقوط النمو الأمريكي بإن الإبتكارات الضخمة المعززة للإنتاجية في المائة والخمسين سنة الماضية لا يمكن مضاهاتها ولو صح ذلك فإن الإقتصادات المتقدمة يجب أن تتوقع نمو بطيء وركود في السنوات القادمة ولكن هل المستقبل سيكون كئيبا لهذه الدرجة ؟

ربما الإجابة هي لا ففي واقع الأمر فإن التشاؤم قد سيطر على توقعات الإقتصاديين لقرون وفي سنة 1830 ذكر المؤرخ البريطاني التقدمي توماس ماكاولي " في كل عصر يدرك الجميع أنه حتى مجيء عصرهم فإن التحسن التقدمي كان يحدث على الدوام ومع ذلك لا يعتقد أحد بإنه سيكون هناك تحسن في الجيل القادم " وتساءل لماذا لا يتوقع الناس "أي شيء سوى الإنحدار "؟

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

ولقد صدقت وجهة نظر ماكاولي بعد ذلك بفترة قصيرة عندما دخل العالم في عصر السكك الحديدية وبعد ذلك حصل التقدم التحويلي في الصلب والكيماويات والكهرباء والهندسة.

عندما يتعلق الأمر بمستقبلنا التقني ، سأتوقع نتيجة مماثلة وسأذهب بعيدا لدرجة القول بإننا لم نرى شيئا بعد . سوف يخلق التقدم التقني ريحا مواتية قوية جدا ستهب على الإقتصادات الأكثر تقدما في العالم .

إن تفاؤلي مبني ليس على إيمان عام بالمستقبل ولكن على الطريقة التي بموجبها يدعم العلم (أو "المعرفة المقترحة") والتقنية "المعرفة التقريرية " بعضهما البعض ومثلما  يمكن للإختراقات العلمية تسهيل الإبتكار التقني فإن التقدم التقني يعمل على تمكين الإكتشاف العلمي والذي يؤدي للمزيد من التغير التقني أي بعبارة أخرى هناك حلقة مفرغة إيجابية بين التقدم العلمي والتقني .

إن تاريخ التقنية مليء بالإمثلة على هذه الحلقة المفرغة الإيجابية فلقد حصلت الثورة العلمية في القرن السابع عشر جزئيا بسبب الأدوات الجديدة المتقدمة تقنيا مثل التلسكوبات ومقاييس الضغط الجوي ومضخات التفريغ والمرء لا يستطيع مناقشة نشوء نظرية الجراثيم سنة 1870 بدون الإشارة إلى التحسينات السابقة في الميكروسكوب كما إن تقنيات علم البلورات بالإشعة السينية التي إستخدمها روزالند فرانكلن كانت حيوية لإكتشاف تركيب الحمض النووي بالإضافة إلى إكتشافات أدت لإكثر من 20 جائزة نوبل.

إن الأدوات المتوفرة للعلم اليوم تتضمن نسخ جديدة من الأدوات القديمة والتي كان لا يمكن تصورها حتى قبل ربع قرن فلقد تم إطلاق التلسكوبات في الفضاء وربطها بأجهزة الكمبيوتر التي تعمل بالطاقة العالية ومكيفة حسب البصريات من أجل أن تكشف عالما مختلف تماما من العالم الذي تخليه البشر في الماضي وفي سنة 2014 تم منح الأشخاص الذين بنوا ميكروسكوب بيتزيج-هيل جائزة نوبل بسبب تغلبهم على عقبة كانت تعتبر في الماضي عقبة لا تقهر وهي تحويل الميكروسكوب البصري إلى البعد الخاص بالنانو .

ولو لم يكن ذلك كافيا لدحض التشاؤم التقني فأنظر للإدوات الثورية التي ظهرت في السنوات الأخيرة وهي أجهزة لم يكن الإنسان يحلم بها في العقود القليلة الماضية فلو بدأنا بالكمبيوتر لوجدنا أن الإقتصاديين بذلوا جهودا جبارة لتقييم تأثير الكمبيوتر على إنتاج البضائع والخدمات وقياس مساهمته في الإنتاجية ولكن أي من تلك الأساليب  لا يمكنها أن حصر الفوائد والفرص التي لا تعد ولا تحصى والتي خلقها الكمبيوتر من أجل البحث العلمي .

لا يوجد مختبر في العالم لا يعتمد على الكمبيوتر فمصطلحات مثل إن سيلكو قد أخذت مكانها إلى جانب إن فيفو وإن فيرتو في العمل التجريبي ودخلت مجالات جديدة تماما مثل " الفيزياء الحاسوبية " و"الأحياء الحاسوبية " بشكل مفاجىء وطبقا لقانون مور فإن التقدم الخاص في الحوسبة العلمية سيستمر في الزيادة لسنوات عديدة قادمة لإسباب ليس أقلها ظهور الحوسبة الكمية .

إن من الأدوات الجديدة الأخرى الليزر وعندما ظهر الليزر لأول مرة كان عبارة عن إبتكار يبحث عن تطبيق واليوم أصبح الليزر منتشر في كل مكان مثل الكمبيوتر ويستخدم في الإستخدامات اليومية الإعتيادية وذلك من مسح الوثائق لطب العيون .

إن نطاق المجالات البحثية التي تعتمد اليوم على الليزر هو نطاق عريض جدا يضم الاحياء والكيمياء وعلم الجينات وعلم الفلك . إن التحليل الطيفي الذي يعمل بالليزر ضروري من أجل تحليل البروتين والذي تعتمد عليه الكثير من الأبحاث في مجال الكيمياء الحيوية الجزئية ومؤخرا ساهم الليزر في تأكيد وجود موجات الجاذبية وهي أحد أسس علم الفيزياء.

هناك إبتكار تقني آخر يعتبر بمثابة نقطة تحول علمية وهذا الإبتكار يتمثل في إداة الهندسة الوراثية كريسبر كاس 9 حيث أصبح تسلسل العوامل الوراثية عملية سريعة ورخيصة نسبيا حيث إنخفضت تكلفتها من 10 مليون دولار لكل عامل وراثي سنة 2007 لإقل من ألف دولار اليوم .

إن كريسبر كاس 9 يأخذ هذه التقنية لمستوى ثوري جديد بحق حيث أنه يمكن العلماء من هندسة العوامل الوراثية البشرية والتلاعب بها وبينما من الممكن أن تجعل هذه الفكرة بعض الأشخاص يتراجعون قليلا فإن التطبيقات المفيدة المحتملة لهذه التقنية مثل تمكين المحاصيل الضرورية من التأقلم مع التغير المناخي وملوحة المياه ، ستكون كبيرة للغاية .

بالإضافة إلى ذلك فإن الرقمنة قد خفضت من تكاليف الوصول للمعلومات بشكل كبير بالنسبة للباحثين فجميع الأبحاث تعتمد على حرية الوصول للمعرفة الموجودة لإننا جميعنا نبني على ما فعله الذين جاءوا قبلنا فنحن نعيد تجميع إكتشافاتهم وأفكارهم وإبتكارتهم بطرق مبتكرة وأحيانا ثورية ولكن حتى وقت قريب فإن تعلم ما يحتاج المرء لمعرفته وذلك حتى يقوم بإبتكارات علمية وتقنية كان يحتاج لعمل أكثر بكثير مع ساعات لا تنتهي في البحث بين المكتبات ومجلدات الموسوعات .

Fake news or real views Learn More

أما اليوم فيمكن للباحثين أن يجدوا إبرة صغيرة للغاية في كومة قش معلوماتية بحجم مونتانا فهم بإستطاعاتهم اليوم الوصول لقواعد بيانات ضخمة حيث بإمكانهم العثور على أنماط وأمور تجريبية متكررة وهذا كان ليكون موضع حسد عالم التصنيف من القرن الثامن عشر كارل لينايوس .

إن معرفتنا العلمية تتقدم للإمام مما يؤدي لتطبيقات جديدة لا حصر لها كما لا يوجد شك كذلك بأن التقنية سوف تتقدم كذلك في مجالات عديدة متوقعة وغير متوقعة وهي ستؤدي لنمو إقتصادي وإن كان ليس النوع الذي سيتم حسابه بشكل كامل لو إستمرينا بالإعتماد على معاييرنا التي عفا عليها الزمن لحساب الدخل الوطني .