27

إنقاذ أوروبا من خلال عكس البريكسيت

لندن - "لا تَدَع أزمة تذهب سُدى" كانت دائما إحدى المبادئ التوجيهية للاتحاد الأوروبي. ولكن ماذا عن خمس أزمات في وقت واحد؟ اليوم، يواجه الاتحاد الأوروبي ما يصفه فرانس تيمرمانس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، "بالأزمة المتعددة":البريكسيت، وتدفقات اللاجئين، والتقشف المالي، والتهديدات الجيوسياسية من الشرق والجنوب، و"الديمقراطية غير الليبرالية" في وسط أوروبا. على الاتحاد الأوروبي أخذ العبرة من أزماته الحالية، وإلا سيَنهار بسبـبها.

وإذا كان الأمر كذلك، سوفيكونالبريكسيت المفجر لهذا الهدم. بإضفاء الشرعية على مفهوم تفكك الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تحول خيال المتطرفين السياسيين إلى خيار واقعي في الحياة السياسية في جميع أنحاء أوروبا، سيهدد البريكسيتبتحريك عملية تفكك لا تقاوم. وكنتيجة لذلك سيتم أيضا تحويل الاقتصاد، من خلال شل حركة البنك المركزي الأوروبي في أزمة اليورو القادمة: فيما يستطيع البنك المركزي الأوروبي هزم تكهنات السوق، فإنه عاجز لصد ضغوط التفكك الآتية من الناخبين.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

الاتحاد الأوروبي بحاجة لذلك على وجه السرعة لإرجاع جني التفكك مرة أخرى إلى القنينة. وهذا يعني إقناع بريطانيا لتغيير رأيها حول أوروبا، وهو أمر مستحيل، وفقا للحكمة التقليدية على جانبي القنال الإنجليزي.  ولكن تحدث كثيرا من الأمور "المستحيلة" في السياسة في الوقت الحاضر.

وكانت غالبية استفتاء يوم 23 يونيو ضعيفة أكثر مما كانت عليه في استفتاء الاستقلال في اسكتلندا 2014، أو الأصوات السلبية بخصوص معاهدات الاتحاد الأوروبي في أيرلندا والدنمارك، وهولندا، والتي انعكست في وقت لاحق. الأهم من ذلك أن 52٪ من الذين صوتوا لصالح البريكسيتانقسموا انقساما حادا في أهدافهم، مع استعداد البعض لقبول التضحية الاقتصادية من أجل " البريكسيتالصلبة" (الفصل التام من أوروبا)، وأمل البعض الآخر في الحصول على " البريكسيتالناعمة" التي من شأنها أن تقلل من التأثير على اقتصاد المملكة المتحدة.

ووفقا للاقتراع في مرحلة ما بعد الاستفتاء، تتوقع ثلاثة أرباع الناخبين الذين صوتوا "لترك" الاتحاد الأوروبي أن الاقتصاد البريطاني سيشهد  نموا أو سيكون غير متأثر بتداعياتالبريكسيت ، و يعتقد 80٪ أن الحكومة ستحصل على المزيد من المال للإنفاق على الخدمات العامة نتيجة تصويتهم. الناخبون لصالح  البريكسيتمتفائلون بحيث قال لهم بعض القادة (أبرزهم وزير الخارجية الحالي بوريس جونسون) أن بريطانيا "يمكن أن تأخذ الكعكة و تأكلها" - صفقة جديدة تحفظ كل الفوائد الاقتصادية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بدون أي التزامات أو تكاليف.

عندما شعر الرأي العام بخيبة أمل بسبب تغير التوقعات، قام بتغيير موقفه. بالفعل، يقول 66٪ من الناخبين إن الوصول إلى الأسواق هو أكثر أهمية من فرض قيود على الهجرة، إذا لم تستطع بريطانيا الحفاظ  على الإثنين. وهذا يتناقض بشكل مباشر مع أولويات رئيسة الوزراء تيريزا ماي - وربما يفسر السبب في رفضها الحديث عن استراتيجيتها  نحو البريكسيت.

ونظرا لأن التوقعات العامة للبريكسيتالناعمة غير واقعية اقتصاديا، فمن المستحيل رفض كل التزامات الاتحاد الأوروبي كما يطالب بها فصيل "البريكسيتالصعبة" ولن تتمكن تيريزا ماي من الفوز. أي اتجاه اختارته بالطبع سوف يثير عداء نصف حزبها ونسبة كبيرة من مؤيديالبريكسيت ، ناهيك عن 48٪ من الناخبين الذين يريدون البقاء في الاتحاد الأوروبي.

بمجرد أن يبدأ هذا الرد عنيف، سيحرص الكثير من السياسيين المحافظين الطموحين، الذين طردتهم ماي من الحكومة، على استغلال الفرصة. بالفعل، تمت إقالة جورج أوزبورن على الفور كوزير المالية عندما تولت ماي الحكم، ووجه لها نقدا لاذعا، مما يشكل تحديا لتفويضها الديمقراطي: "وفازالبريكسيتبالأغلبية. لكن لم يفز البريكسيتالصعب. "حتى ضعف أحزاب المعارضة في بريطانيا يعمل ضد مايو، مما يدفع المعارضين للمؤامرة ضدها، وهم يعلمون جيدا أنهم لن يفقدوا السلطة.

كل هذا يعني أن السياسة البريطانية سوف تصبح مائعة جدا مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، و سيبدأ الناخبون في تغيير رأيهم. ويتعين على الاتحاد الأوروبي تشجيع مثل هذه الأفكار الآنية، وهو ما يعني التوقف عن معالجةالبريكسيتكأمر لا مفر منه، وبدلا من ذلك ينبغي تقديم إمكانية لتسوية تُلبي اهتمامات الناخبين البريطانيين، ولكن بشرط أن تبقى بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

والطريقة الواضحة لتحقيق ذلك هي إبرام اتفاق على نطاق الاتحاد الأوروبي لفرض قدر أكبر من المراقبة الوطنية على الهجرة وقضايا رمزية أخرى تتعلق بالسيادة الوطنية. وليس من الضروري اعتبار هذا الاتفاق بمثابة تنازل للابتزاز البريطاني، إذا شمل جميع دول الاتحاد الأوروبي، وقُدم استجابة للرأي العام في جميع أنحاء الاتحاد.

وفي رده على الضغوط الديمقراطية، يمكن للاتحاد الأوروبي استعادة الدعم على نطاق أوروبا. ولكن ينبغي إرسال رسالة ايجابية للناخبين والقادة الأوروبيين بإعادة التفكير في إمكانية تسوية واقعية للأوضاع الحالية واستئناف الحوار الحكومي الذي كان السمة المميزة لدبلوماسية الاتحاد الأوروبي.

بداية، سوف يتطلب حل مشكلتي البريكسيتوأزمة اللاجئين بعض التغييرات الطفيفة في قوانين الهجرة والرعاية الاجتماعية. ولن تتناقض هذه الإصلاحات، التي ستكون شعبية في جميع البلدان الأعضاء تقريبا، مع المبادئ التأسيسية للاتحاد الأوروبي إذا كانت المحافظة على الحق في العمل تشمل جميع أنحاء أوروبا، ولكن ينبغي إعادة المراقبة على الهجرة الغير اقتصادية وعلى الإعانات الممنوحة للحكومات الوطنية  بخصوص الرعاية الاجتماعية.

ثانيا، سوف يتطلب تفاعل أزمتي اللاجئين واليورو قواعد مالية جديدة. تُعتبر معالجة معضلة المهاجرين مكلفة، لذا ينبغي من الناحية المثالية تمويلها بواسطة سندات الاتحاد الأوروبي. بدلا من ذلك، يجب أن تُمنح الدول المتوسطية دعما ماليا كبيرا، مقابل تحمل مسؤولية الخط الأمامي لضبط الهجرة.

ثالثا، هناك حاجة ماسة إلى إصلاح قوانين الهجرة، جنبا إلى جنب مع "الديمقراطية غير الليبرالية" في أوروبا الوسطى، مما يستدعي إجراء تغييرات في أولويات إنفاق الاتحاد الأوروبي والسياسة الخارجية. وسوف تقبل بولندا ودول أخرى القيود المفروضة على تنقل مواطنيها إذا حصلت على مساعدات مالية إضافية مع إقامة تعاون أمني أقوى. ويمكن لهذه الحوافز، في المقابل، أن توفر ضمان احترام حقوق الإنسان.

Fake news or real views Learn More

وأخيرا، تروم استعادة الشرعية الديمقراطية للاتحاد الأوروبي إنهاء التوترات المؤسسية بين منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي الأوسع. ويجب على السلطات في الاتحاد الأوروبي أن تقر بأن العديد من البلدان الأعضاء سوف لن تنضم أبدا إلى اليورو، وهو ما يعني التخلي عن خطابها حول " أوروبا بسرعتين"، والكل مُتجه - سواء بسرعة عالية أو منخفضة - نحو "اتحاد أوثق من أي وقت مضى" وهو ما تعنيه العملة الموحدة. بدلا من ذلك، يتعين على الاتحاد الأوروبي إعادة تشكيل نفسه إلى جزأين: النواة الداخلية الملتزمة بتعميق التكامل، والحلقة الخارجية التي ليس من مصلحة ناخبيها إقرار عملة واحدة ومساحة مالية مشتركة.

قد تبدو هذه الإصلاحات مستحيلة، ولكن كان يبدو تفكك الاتحاد الأوروبي مستحيلا قبل التصويتلصالح البريكسيت. في الفترات الثورية، يمكن أن يصبح المستحيل شيئا لا مفر منه في غضون أشهر. هذا الأسبوع، دعا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بشكل غير متوقع لمعاهدة أوروبية جديدة واستفتاء  بريطانيا  جديد بشأن عضويتها في الاتحاد الأوروبي. لقد بدأت المرحلة الثورية فعلا في أوروبا..