Colombian presidential candidate Gustavo Petro JOAQUIN SARMIENTO/AFP/Getty Images

هل تعود الشعبوية إلى أميركا اللاتينية؟

سانتياجو ــ حتى وقت قريب، كان الأمر يبدو وكأن أميركا اللاتينية نجحت في التملص من قِرش الشعبوية الأبيض الضخم، في حين كانت دول أميركا الشمالية وأوروبا تسبح نحو ذلك القرش مغمضة الأعين تماما. صحيح أن نظام نيكولاس مادورو الشافيزي يواصل سجن المواطنين وتدمير اقتصاد فنزويلا، وصحيح أن كلا من إيفو موراليس في بوليفيا ودانييل أورتيجا في نيكاراجوا يواصل تغيير قواعد اللعبة بحيث يصبح من الممكن إعادة انتخابه إلى الأبد. ولكن يبدو أن الهزيمة الانتخابية التي منيت بها تنويعة آل كيرشنر للنظام البيروني كانت نقطة تحول في الأرجنتين. وكذلك بدا عزل ديلما روسيف في البرازيل، والاستعاضة عن سياساتها الاقتصادية الفاشلة بنهج يدرك أن الديون المالية وأشكال العجز المتعددة من غير الممكن أن تستمر في النمو إلى الأبد.

كما بدا طابع السياسة في المنطقة وكأنه يتغير نحو الأفضل. وبدا أن الاتهامات الشنيعة التي تعمل على تحويل الخصوم السياسيين إلى أعداء تفسح المجال أمام المصالحة والتفاوض، والذي انعكس على سبيل المثال في الاتفاقات المهمة، وإن كانت لم تدم طويلا، التي سمحت بالإصلاحات الاقتصادية في بداية رئاسة إنريكي بينيا نيتو في المكسيك.

حسنا، عندما تصورنا أن الوضع آمن للعودة إلى المياه... تبدلت الحال.

الواقع أن عامنا هذا في غاية الأهمية للسياسة في أميركا اللاتينية: فمن المقرر أن تعقد الدول الثلاث الأكثر اكتظاظا بالسكان في المنطقة انتخابات رئاسية. وفي البرازيل وكولومبيا والمكسيك أصبح الاستقطاب حالة سائدة، ويحتل الشعبويون من اليمين واليسار الطليعة.

لنبدأ هنا بكولومبيا، التي من المقرر أن تصوت أولا، في مايو/أيار. فاز الرئيس السابق المحافظ الشعبوي ألفارو أوريبي بالدعم من خلال الدعوة إلى مواجهة مسلحة لا هوادة فيها مع مقاتلي "القوات المسلحة الثورية في كولومبيا"، ثم معارضة اتفاق السلام لعام 2016. ويحتل المرشح الذي يدعمه، إيفان دوكي، مركزا متقدما في استطلاعات الرأي، مدعوما بفوز ساحق في الانتخابات التمهيدية التي جرت في الحادي عشر من مارس/آذار والتي شارك فيها عدد غير مسبوق من الناخبين بلغ 5.9 مليون ناخب. وخصمه المحتمل في الجولة الثانية هو جوستافو بترو، وهو أحد رجال العصابات سابقا في حركة 19 إبريل والذي شغل أيضا منصب عمدة بوجوتا. ورغم أن مرشحا آخر ربما يتسلل إلى الجولة الثانية، فإن المؤسسة تواجه معركة عصيبة.

ونتائج الانتخابات في البرازيل، التي من المقرر أن تعقد في أكتوبر/تشرين الأول، تظل أكثر غموضا. ففي وسط التمثيلية السياسية في البلاد نجد الرئيس السابق الذي يتمتع بشعبية كبيرة، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي يواجه عقوبة السجن لمدة 12 عاما بعد تأكيد إدانته بالفساد في يناير/كانون الثاني. ورغم ما يتمتع به من شعبية كبيرة، فإن احتمالات خوضه الانتخابات تتقلص كل يوم. وبهذا يتبقى المنافسون المحتملون من اليسار ــ سواء من حزب العمال الذي يتزعمه لولا أو من أحزاب أخرى ــ الذين يناضلون في محاولة اللحاق برجل اللحظة غير المتوقع: جيير بولسونارو، عضو الكونجرس والمظلي السابق، الذي وصفته نيويورك تايمز مؤخرا بأنه "اليميني المتطرف المستفز" الذي يتسم بتاريخ طويل من "التصريحات التحريضية التي تصغر من شأن النساء والسود والمثليين". ويحاول العديد من المرشحين الاستيلاء على الأرض الوسطى، ولكن لم يتمكن أي منهم من التألق في استطلاعات الرأي.

What do you think?

Help us improve On Point by taking this short survey.

Take survey

أما المكسيك، التي تصوت في يوليو/تموز، فلن تجري جولة إعادة. أي أن أي مرشح يحصل على صوت واحد أكثر من المرشحين الآخرين يصبح الرئيس. وقد يكون هذا المرشح، كما تشير الاستطلاعات، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، المعروف عالميا باسم "أملو"، وهو شعبوي قديم خاض سباقين رئاسيين في الماضي. وقد أظهر اللين مؤخرا وتنصل من بعض مقترحاته السابقة، مثل تأميم البنوك والصناعة وإخراج المكسيك من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية.

نستطيع أن نتعلم أربعة دروس على الأقل من النجاح المحتمل لهذا الجيل الجديد من الشعبويين في أميركا اللاتينية.

فأولا: إنه ليس الاقتصاد يا غبي! إذ تسجل الاقتصادات في البرازيل وكولومبيا والمكسيك نموا ملموسا وإن كان بطيئا. ولكن مقارنة بالتضخم المرتفع، والموارد المالية المتقلبة، والعملات غير المستقرة التي رافقت الانتخابات غالبا في هذه البلدان (وخاصة في البرازيل والمكسيك)، من الصعب أن ننكر أن إدارة الاقتصاد الكلي تحسنت وأصبحت الاقتصادات المحلية أكثر استقرارا.

ويتضح هذا التحسن بشكل خاص في البرازيل، التي شهدت في عهد روسيف أعمق ركود في تاريخها. ومنذ عزلها، بدأ الاقتصاد يتعافى، ومن المتوقع أن يتسارع معدل النمو الذي كان 1% في عام 2017 إلى 2% أو 3% في عام 2018. ويظل معدل البطالة عند مستوى 12% مرتفعا للغاية، لكنه كان في انخفاض كل شهر طوال العام المنصرم. ومع ذلك، لم تكن هذه المكاسب كافية لرفع معدل الموافقة على خليفة روسيف الوسطي مايكل تيمر، الذي يفتقر إلى الشعبية بشكل كبير. كما لم تعمل هذه المكاسب على تغذية الدعم لأي من المرشحين الذين يعدون بالتمسك بسياسات اقتصادية مماثلة.

والدرس الثاني مألوف للطلاب من دارسي السياسة الأميركية: فنهج القانون والنظام الصارم، بما في ذلك الحق الموسع في حمل السلاح، مفيد سياسيا. والجريمة والعنف هما القضيتان الأكثر بروزا في نظر الناخبين في أميركا اللاتينية اليوم. وربما تكون الحلول المعقدة، مثل إصلاح السجون وقوانين المخدرات الجديدة، صحيحة فنيا وأخلاقيا، ولكنها لا تُتَرجَم إلى دعم انتخابي؛ أما الوعد بإطلاق النار على اللصوص (رجال العصابات) فإنه يترجم إلى دعم انتخابي. وهذا هو ما قدمه أوريبي وأتباعه للكولومبيين لسنوات. وهذا هو ما يعرضه بولسونارو ــ الذي قال إن "المجرم النافع هو المجرم الميت" ــ على البرازيليين اليوم.

ثالثا، يبدو أن مرشحي المؤسسة محكوم عليهم بالفشل (قد يكون سباستيان بينييرا، رئيس شيلي المنتخب حديثا، الاستثناء الذي يؤكد القاعدة). في المكسيك، يُعَد وزير المالية والخارجية السابق خوسيه أنطونيو ميد، مرشح الحزب الثوري المؤسسي، تكنوقراطيا وإداريا مقتدرا. وكذا حال جيرالدو آلكمين، حاكم ساو باولو ومرشح الحزب الديمقراطي الاجتماعي البرازيلي الوسطي. وبوسعنا أن نقول الشيء نفسه عن نائب الرئيس والوزير والسيناتور السابق جيرمان فارجاس ليراس في كولومبيا. وجميعهم محببون لمجتمع الأعمال المحلي. وجميعهم متأخرون في استطلاعات الرأي.

أخيرا وليس آخرا: لم يتمكن المرشحون الوسطيون في أميركا اللاتينية، سواء من الليبراليين أو الديمقراطيين الاجتماعيين، من تحقيق ما حققه جوستن ترودو في كندا أو إيمانويل ماكرون في فرنسا بنجاح: نسج سرد مقنع حول سبب رغبتهم في الحكم ولصالح من. وهي مهمة عصيبة حقا. وحتى الشخصيات الجذابة مثل سيرجيو فاجاردو، عمدة مدينة ميدلين السابق، المعروف بتحويل وجه المدينة المبتلاة بالمخدرات، كان أداؤها متعثرا.

بعد سلسلة من فضائح الفساد في مختلف أنحاء المنطقة، يشعر الناخبون بالتشكك، وهو أمر مفهوم. فهم يسألون كل مرشح: هل أنت في صفنا؟ ومن خلال الوعد بإطلاق النار على المجرمين، ومنع المهاجرين من الدخول، ومعاقبة المصرفيين، يقدم المرشحون الشعبويون في أميركا اللاتينية ــ مثلهم كمثل نظرائهم في الولايات المتحدة أو أوروبا ــ إجابات بسيطة، وإن كانت مخادعة ماكرة، على هذا السؤال. وإلى أن يتعلم المعتدلون القيام بنفس الأمر ــ فسوف يظلون طعاما لأسماك القرش الشعبوية.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/leObIbG/ar;

Handpicked to read next