Mexico workers SOPA Images/Getty Images

ما هي أسباب التعافي بلا وظائف في أميركا اللاتينية؟

مونتيفيديو ــ بعد تباطؤ حاد ومستمر بدأ في منتصف عام 2013 وانتهى في الربع الأخير من عام 2015، عاد النمو الاقتصادي رسميا في أغلب بلدان أميركا اللاتينية الآن. ولكن الانخفاض المناظر في البطالة لا يلوح قريبا على الإطلاق. بل إن البطالة في قسم كبير من المنطقة استمرت في الارتفاع خلال الأرباع السبعة الأخيرة. ولكن لماذا؟

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

يُعَد التعافي الذي لا تصاحبه زيادة في فرص العمل في أميركا اللاتينية سببا للقلق العميق في نظر كثيرين. فخلال الأرباع السبعة الأولى من فترة التعافي السابقة، والتي بدأت عام 2004، انخفض متوسطة البطالة بمقدار 0.2 من النقطة المئوية في مقابل كل نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذه المرة، ارتفعت البطالة على مدار الأرباع السبعة الأخيرة في واقع الأمر بنحو 0.3 من النقطة المئوية في مقابل كل نقطة مئوية من النمو، مما أدى إلى ارتفاع إجمالي البطالة بنحو نقطة مئوية كاملة تقريبا منذ نهاية عام 2015.

يتلخص أحد التفسيرات الشائعة للانفصال الواضح بين النمو وتشغيل العمالة في أن التكنولوجيات المتقدمة، مثل التشغيل الآلي والروبوتات، أدت إلى إحلال رأس المال محل العمل في مختلف اقتصادات المنطقة. فمع تسبب الإبداعات في الإنتاج في خفض عدد العمال اللازمين لتوليد وحدة من الناتج، انقطعت علاقة الارتباط التقليدية بين الناتج وتشغيل العمالة.

ويبدو الأمر وكأنها نظرية مقنعة. ولكن في حالة أميركا اللاتينية، من المرجح أيضا أن تكون نظرية خاطئة. فنحن لسنا في احتياج إلى صعود الروبوتات لوضع مفارقة النمو والبطالة في الحسبان.

وإذا كانت فرضية التكنولوجيا صحيحة، فإننا نتوقع أن نرى زيادة في الإنفاق الرأسمالي المعزز للإنتاجية خلال الفترة الحالية نسبة إلى فترات التعافي السابقة. ولكن البيانات تُظهِر العكس. فخلال الأرباع السبعة الأولى من هذا الارتفاع، انخفض متوسط الاستثمار في المنطقة بنحو 2.2% في مقابل كل نقطة مئوية من النمو؛ وفي الماضي كان متوسط الاستثمار يزداد بنحو 2.3% تقريبا.

ولكن إذا لم تفسر التكنولوجيا التي تحل محل العمال دورة النمو التي لا تصاحبها زيادة في فرص العمل في أميركا اللاتينية، فما الذي قد يفسرها؟ يبرز هنا اثنتان من الإجابات المحتملة.

أولا، كان التعافي الحالي أبطأ وأكثر ضحالة من المرات السابقة، وهذا يعني أن إنشاء الوظائف لا يجري بسرعة وبالأعداد الكافية لمواكبة الداخلين إلى سوق العمل. الواقع أن متوسط النمو السنوي في أميركا اللاتينية كان 1.4% فقط خلال الأرباع السبعة الأولى من التعافي الحالي، مقارنة بنحو 5.4% في أعقاب التعافي السابق. والمشكلة في هذا التفسير هي أنه لا يعبر عن نقص الاستثمار.

الإجابة الثانية المحتملة هي ما أسميه فرضية "تخمة القدرة". ففي العقد السابق لمنتصف عام 2013، سجلت أميركا اللاتينية نموا سريعا للغاية ــ نحو ضعف متوسطها التاريخي. وحتى نهاية الطفرة، تنبأت التوقعات باستمرار طفرة الثروة. وفي ذلك الحين، بدا هذا وكأنه افتراض معقول. فقد تسببت شهية الصين النهمة للسلع الأساسية في تحويل التصورات حول مسار الاقتصاد العالمي بشكل كبير. ولكن كما قال مافالدا، بطل سلسلة الكارتون المتميزة للفنان الأرجنتيني كوينو، فإن المستقبل لم يعد كما كان.

في عام 2013، وفي ظل تراجع الطلب الصيني، انخفضت أسعار السلع الأساسية. ومنذ ذلك الحين، تباطأ متوسط النمو الاقتصادي في أميركا اللاتينية إلى ما يقرب من ربع المعدلات المتوقعة سابقا. أما الشركات التي توقعت استمرار الطفرة ــ فاستثمرت بالتالي في توسيع الإنتاج وزيادة قوة العمل ــ فقد أصبح لديها فائض في القدرة نسبة إلى الطلب الفعلي. ومع تحسن ظروف الطلب الكلي، استجابت الشركات باستخدام هذه القدرة الفائضة، وتقليص الإنفاق الرأسمالي، وإبطاء وتيرة تعيين الموظفين.

لتوضيح هذه الديناميكية، لنتأمل هنا كيف أدار مصدرو فول الصويا في المنطقة عملية الإنتاج في السنوات الأخيرة. خلال فترة التوسع، ازدهر المنتجون، وهو ما يرجع جزئيا إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. وكذلك فعلت الشركات التي تقدم الخدمات التكميلية ــ الحصاد والنقل والتخزين على سبيل المثال ــ والتي اتخذت قراراتها الاستثمارية وهي تتوقع استمرار الأسعار المرتفعة.

ولكن بمجرد اتجاه أسعار فول الصويا نحو الانخفاض، وجدت الصناعة بالكامل نفسها وقد تراكم لديها قدرة فائضة كبيرة، فضلا عن أعباء الديون المرتفعة، وهو ما يعكس الاستثمارات السابقة في العمل ورأس المال. وعندما تعافت الأسعار في نهاية المطاف وارتفع إنتاج فول الصويا مرة أخرى، بات بوسع الشركات أن تستوعب الارتفاع في الطلب عن طريق استخدام القدرة الفائضة القائمة. ولم تكن هناك حاجة إلى توظيف إضافي أو استثمار في المعدات والآلات.

إذا صحت فرضية "تخمة القدرة" على أميركا اللاتينية ككل، فسوف تتمكن المنطقة من التنفس بسهولة، لأن البطالة الأعلى وتدني مستويات الاستثمار التي تصاحب التعافي الحالي سوف تمثل اتجاهات محددة. ومع ازدياد النشاط الاقتصادي في المنطقة، واتجاه التراخي في استخدام القدرة نحو التقلص، فلابد أن تعود العلاقة بين النمو والبطالة والاستثمار إلى طبيعتها.

بطبيعة الحال، إذا لم تثبت صحة هذه الفرضية، فربما نضطر إلى العودة إلى إمكانية تسبب التغير البنيوي الذي تستحثه التكنولوجيا في دفع أميركا اللاتينية، إن لم يكن العالم، إلى منطقة مجهولة، بل وربما حتى "معتاد جديد" من النمو الخالي من فرص العمل. أو ربما نضطر إلى البحث عن تفسير مختلف بالكامل. ولكن من السابق للأوان أن نستبعد فرضيات أكثر بساطة ومعقولية.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/ViszQog/ar;

Handpicked to read next

  1. Chris J Ratcliffe/Getty Images

    The Brexit Surrender

    European Union leaders meeting in Brussels have given the go-ahead to talks with Britain on post-Brexit trade relations. But, as European Council President Donald Tusk has said, the most difficult challenge – forging a workable deal that secures broad political support on both sides – still lies ahead.

  2. The Great US Tax Debate

    ROBERT J. BARRO vs. JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS on the impact of the GOP tax  overhaul.


    • Congressional Republicans are finalizing a tax-reform package that will reshape the business environment by lowering the corporate-tax rate and overhauling deductions. 

    • But will the plan's far-reaching changes provide the boost to investment and growth that its backers promise?


    ROBERT J. BARRO | How US Corporate Tax Reform Will Boost Growth

    JASON FURMAN & LAWRENCE H. SUMMERS | Robert Barro's Tax Reform Advocacy: A Response

  3. Murdoch's Last Stand?

    Rupert Murdoch’s sale of 21st Century Fox’s entertainment assets to Disney for $66 billion may mark the end of the media mogul’s career, which will long be remembered for its corrosive effect on democratic discourse on both sides of the Atlantic. 

    From enabling the rise of Donald Trump to hacking the telephone of a murdered British schoolgirl, Murdoch’s media empire has staked its success on stoking populist rage.

  4. Bank of England Leon Neal/Getty Images

    The Dangerous Delusion of Price Stability

    Since the hyperinflation of the 1970s, which central banks were right to combat by whatever means necessary, maintaining positive but low inflation has become a monetary-policy obsession. But, because the world economy has changed dramatically since then, central bankers have started to miss the monetary-policy forest for the trees.

  5. Harvard’s Jeffrey Frankel Measures the GOP’s Tax Plan

    Jeffrey Frankel, a professor at Harvard University’s Kennedy School of Government and a former member of President Bill Clinton’s Council of Economic Advisers, outlines the five criteria he uses to judge the efficacy of tax reform efforts. And in his view, the US Republicans’ most recent offering fails miserably.

  6. A box containing viles of human embryonic Stem Cell cultures Sandy Huffaker/Getty Images

    The Holy Grail of Genetic Engineering

    CRISPR-Cas – a gene-editing technique that is far more precise and efficient than any that has come before it – is poised to change the world. But ensuring that those changes are positive – helping to fight tumors and mosquito-borne illnesses, for example – will require scientists to apply the utmost caution.

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now