Minimum wage protest in New York  Erik McGregor/Pacific Press/LightRocket via Getty Images

ديمقراطية شعبية في أميركا

بيركلي ــ ربما سمعتم هذه الجملة من قبل: "الأسواق في ارتفاع، والثروة تنمو، ولكن أغلب المكاسب تذهب إلى أولئك عند القمة". الواقع أن التقدم التكنولوجي السريع يعمل على تحويل الحياة اليومية وخلق صناعات جديدة، لكنه يعمل أيضا على تأجيج المخاوف بشأن الوظائف والمهن المفقودة. ويشعر الناس بالغضب المتزايد إزاء القوة الاحتكارية التي تمتلكها الشركات العملاقة. وتزدهر المدن كمناطق جاذبة للأثرياء والطموحين، لكن سكان الريف يشعرون غالبا بأن الركب فاتهم. وقد أصبحت المشاعر المعادية للمهاجرين حادة، وعنيفة في بعض الأحيان. وتشكل النساء تحديا للسلطة الذكورية في احتجاجات سريعة الانتشار. ويغذي الفساد السياسي الغضب على نطاق واسع، مع اقتناع كثيرين بأن المصالح المالية استولت على مؤسساتهم الديمقراطية. وتدنت الثقة في الأحزاب السياسية إلى مستويات غير مسبوقة. ووسط كل هذا الفزع والخلل الوظيفي، ظهر بعض أصحاب النفوذ من الأثرياء كمحسنين يتعهدون بالإصلاح الاجتماعي.

Exclusive insights. Every week. For less than $1.

Learn More

أجل، يبدو كل هذا وكأنه أميركا في عصر ترمب. لكن هذه الظروف سادت أيضا قبل أكثر من قرن من الزمن، خلال العصر التقدمي في أوائل القرن العشرين.

انطلاقا من شعورهم بالاشمئزاز إزاء أوجه التفاوت الهائلة في العصر المذهب، سعى أول التقدميين إلى الإصلاح الشامل. وتشمل التغييرات التي أدخلت على الدستور الأميركي خلال هذه الفترة تقديم ضريبة الدخل الفيدرالية مع التعديل السادس عشر، والانتخابات المباشرة لأعضاء مجلس الشيوخ مع التعديل السابع عشر، وحظر الكحول مع التعديل الثامن عشر (كانت بعض الأفكار سيئة حقا)، وحق الاقتراع للمرأة مع التعديل التاسع عشر.

كان التقدميون يريدون أن يحكم المواطنون بشكل أكثر مباشرة، وأن يسقطوا مجمعا سياسيا صناعيا فاسدا غالبا والذي كان يغتصب حقوقهم تدريجيا. وقد دافعوا عن التصويت على سحب الثقة كوسيلة لإزالة القادة والمسؤولين الذين يخدمون مصالح خاصة وليس المواطنين. وقد أنشأوا الانتخابات الأولية المباشرة، لتمكين المواطنين من اختيار أي المرشحين يستحقون الترشح، وبالتالي تقويض سلطة "أجهزة" الحزب. وفي عام 1902، فاز التقدميون في ولاية أوريجون بأغلبية ساحقة بالموافقة في الإجراء الاقتراعي الذي خلق عملية المبادرة والاستفتاء، الأمر الذي مكن المواطنين من تقديم أو إقرار قوانين مقترحة أو تعديلات على دساتير ولاياتهم.

كما كتب جيمس فيشكين من جامعة ستانفورد: "الديمقراطية التداولية" لها تاريخ طويل يمتد إلى الديمقراطية الأصلية في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد. وفي هذا النموذج، كان المواطنون المستنيرون والمهتمون يشاركون بشكل مباشر في وضع أجندة ممثليهم (وإن لم يكن ذلك مع التعريف اليوناني الضيق المحدود لمن يتأهل لوصف مواطن).

اليوم، يستفيد جيل جديد من الفيدراليين التقدميين من عملية المبادرة لإعطاء المواطنين السلطة على السياسة. وتختلف تفاصيل الكيفية التي يستطيع من خلالها المواطنون عرض التدابير على التصويت الشعبي أو مطالبة الهيئة التشريعية بمخاطبتهم من مكان إلى آخر، ولكن 26 ولاية ومئات المدن، والتي تمثل أكثر من 70% من سكان الولايات المتحدة، لديها مبادرات عِدة في صناديق أدوات الحكم الخاصة بها.

في بعض الأحيان، أفضت المبادرات إلى خلق تحديات مستمرة للقادة المنتخبين، كما كانت الحال مع المقترح رقم 13 في كاليفورنيا، والذي حدد سقفا للضرائب المفروضة على الممتلكات في الولاية عندما أُقِر في عام 1978. وفي بعض الأحيان تناولت المبادرات قضايا تافهة، كما حدث مع المحاولة الفاشلة في عام 2016 لاشتراط استخدام الواقي الذكري في المواد الإباحية. ولكنها كانت أيضا أساسية في التعامل مع إصلاحات كبرى أعادت تشكيل الحكم، وخاصة في كاليفورنيا. وكانت مبادرات مثل إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية إداريا، والانتخابات التمهيدية المفتوحة، وتغيير حدود فترة الولاية، وميزانيات تصويت الأغلبية، وصندوق الأيام الممطرة، والشفافية التشريعية، نتيجة مباشرة لقادة ذوي توجهات مدنية نشروا عملية المبادرة من أجل الصالح العام.

وكاليفورنيا ليست وحدها. ففي السنوات العديدة المنصرمة، أدت عملية المبادرة إلى إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في ولاية أريزونا، والاقتراع التفضيلي في ولاية ماين. وفي كثير من الولايات الأخرى، وافق الناخبون على التمويل العام للانتخابات، واعتماد برنامج ميديكيد والحفاظ عليه، وإضفاء الشرعية على الماريجوانا. كما أسفرت مبادرات الناخبين في العديد من المدن عن زيادات كبيرة في الحد الأدنى للأجور وغير ذلك من استحقاقات العمال. وفي المتوسط، سنجد من 150 إلى 200 مبادرة مطروحة للاقتراع في الولايات في مختلف أنحاء أميركا كل عام انتخابي.

والآن، يسعى كبار الإصلاحيين إلى إطلاق حركة لاستخدام المبادرات في حملة وطنية أكثر تنسيقا. وتُظهِر الدروس المستفادة من حملات الحد الأدنى للأجور قيمة الوعد المتمثل في مثل هذه الجهود. فاعتبارا من منتصف عام 2016 في كاليفورنيا وواشنطن العاصمة، جرى إقرار تدابير الاقتراع لرفع الحد الأدنى للأجور بدعم ساحق. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2016، في حين كان دونالد ترمب يقترب من الفوز بالرئاسة، تم إقرار تشريع زيادة الأحد الأدنى للأجور في أريزنا، وكولورادو، وماين، وواشنطن، بفارق 10 إلى 18 نقطة مئوية. وبإنفاق نحو 25 مليون دولار في الإجمال (أقل من كل ما أنفق على اقتراع خاص لمجلس النواب في جورجيا) حصل 8.1 مليون عامل في ست ولايات على زيادة في الأجر تجاوزت 2.5 مليار دولار (ومن المقرر أن يتجاوز الرقم 20 مليار دولار مع تنفيذ التشريع بشكل كامل).

في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، صدمت ولاية ماين المراقبين مرة أخرى، عندما وافق الناخبون هناك على توسيع برنامج ميديكيد بنسبة 59% إلى 41%، الأمر الذي أدى إلى إسقاط خمس محاولات نقض تقدم بها حاكم الولاية بول ليبيج ضد الجهود التشريعية لصالح التوسع. وبإجمالي تكلفة الحملة التي بلغت 1.7 مليون دولار، بات بوسع 89 ألف مواطن في ولاية ماين الآن الحصول على التأمين الصحي.

في عام 2018، تخضع مبادرات الإصلاحات الديمقراطية ــ بما في ذلك إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، وفرض معايير أخلاقية أكثر صرامة، وتوسيع حقوق التصويت ــ لعملية التأهيل في مختلف أنحاء البلاد. وتبني هذه التدابير على إرث من الإصلاحات التي انتشرت في مختلف أنحاء البلاد على مدار الدورات الانتخابية القليلة الماضية.

كل هذا من شأنه أن يجعل التقدميين الأصليين يشعرون بالفخر. وربما استغرق الأمر أكثر من قرن من الزمن، ولكن الجهود التي بذلوها لضمان أن الديمقراطية تؤتي ثمارها حقا، عن طريق وضع السلطة بين أيدي المواطنين من خلال عملية المبادرة، خلقت ما قد يُعَد الأداة الإصلاحية الأكثر قوة في تاريخ الولايات المتحدة. لنأمل ذلك.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/9SuULGw/ar;

Handpicked to read next