Daily life In multicultural Birmingham Christopher Furlong/Getty Images

ردود فعل عنيفة ضد العولمة

نيودلهي ــ عندما غادرت الهند للالتحاق بكلية للدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1975، لم تكن كلمة "عولمة" مستخدمة في أي مكان في العالم. حينها كان لايزال عبور الحدود أمرا عظيما وشاقا، كما لم يكن الحصول على تأشيرة أمريكية سهلا. وعندما وطأت قدماي أمريكا، كانت جنسيتي الهندية لا تزال تحمل شيئا من الاندهاش والاستغراب لأهل البلاد.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

والآن أضحت العولمة أمرا لا مفر منه. فخلال أقل من ثلاثة عقود، انهارت حواجز التجارة، وخلق ذلك المزيج من السفر المتاح بالطائرات في أي وقت، والقنوات التلفزيونية الفضائية، والإنترنت نوعا من "قرية عالمية" متشابكة. إلا أن نوعين من ردود الفعل العنيفة يلقيان الآن بظلالهما على مستقبل العولمة.

تبدو الأزمة الاقتصادية التي وقعت عام 2008 كنقطة تحول في الإدراك العام. ففي السنوات السابقة للأزمة، نهض الملايين وتخلصوا من الفقر، وأضحت الديمقراطية أكثر انتشارا من أي وقت مضى، الأمر الذي خلق إحساسا عاما بأن عصرا ذهبيا قد بدأ. وأذكر في هذا المقام رأيا شهيرا لفرانسيس فوكوياما يقول بأن النضال العالمي العظيم من أجل مستقبل التنظيم السياسي والاقتصادي البشري مدعما بقوى الديمقراطية والرأسمالية الحرة قد نجح في إحراز نصر حاسم وبات.

ثم وقعت الأزمة، وسرعان ما شُوه الكبرياء والفخر الذي لازم هذه الفترة. وطفق الناس يلاحظون تفاوتا واضحا ومتعمقا بين الفائزين أو المستفيدين من العولمة والخاسرين أو المتضررين منها، في ظل نمو ضعيف في الأجور صاحبته عوائد ومكاسب هائلة للأغنياء. ففي بريطانيا مثلا، نمت الأجور بنسبة 13% فقط منذ 2008، بينما ارتفعت سوق الأوراق المالية بنسبة 115%. ووفقا لتقرير سنوي لبنك كريدي سويس، فإن التفاوت في الثروة آخذ في النمو الآن بصورة حادة في 35 اقتصادا من مجموع 46 اقتصادا كبيرا، مقارنة باثني عشر اقتصادا فقط قبل عام 2007.

بدأ الفقراء والعاطلون في العالم المتقدم يشعرون بأنه لم يكن لهم نصيب ولا اعتبار في النظام الخاضع للعولمة، لذا أدانوا المؤسسة السياسية لاتباعها سياسات تسببت في الإطاحة بوظائفهم إلى أراض بعيدة كالصين وكندا، وطالبوا بعودة للنظام الاقتصادي القديم، وبالتالي للوعد القديم بأن كل جيل جديد سيكون أعلى دخلا وسيحظى بحياة أفضل من سابقه.

لكن رد الفعل العنيف ضد العولمة الاقتصادية يمثل نصف القصة فقط. فقد كان هناك أيضا رد فعل عنيف ضد العولمة الثقافية ــ بما فيها من تيارات التحرر من الانتماء لقومية معينة (الكوزموبوليتانية)، والتعددية الثقافية، والعلمانية ــ يقوده هؤلاء الذين يلتمسون أسباب الارتياح والطمأنينة في الهوية العرقية أو الدينية أو القومية التقليدية.

وُيعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مثلا لرد الفعل العنيف المرتكز على الهوية، إذ لم يكن شعاره "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" سوى شفرة لشعار آخر وهو "لنجعل أمريكا بيضاء مرة أخرى" ــ وهي رسالة راقت للناخبين البيض من العمال العاطلين الحانقين على الأوضاع الكارهين للأجانب، وهم من شكلوا جوهر القاعدة الأساسية التي اعتمد عليها ترمب. لكن أمريكا التي وعد بها ترمب لن تعود: فبحلول عام 2030، ستكون غالبية القوة العاملة الأمريكية من غير البيض.

ورغم النظرة الغالبة إلى ترمب على أنه ظاهرة أمريكية فريدة، فإنه في الحقيقة ليس إلا جزءا من ثورة أوسع نطاقا يقودها قوميون وتقليديون ضد نخبة عولمية وكوزموبوليتانية متحررة، بدعوى الرجوع إلى هوية أكثر تدينا وأكثر ارتباطا بالجذور الثقافية. ويعد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي من القادة الذين يستغلون هذا التوجه لمصلحتهم، وإن كان للأخير طريقته الخاصة في ذلك. وحتى في البلاد التي لم تتمكن فيها أحزاب وسياسيون ينتمون لتيارات اليمين المتطرف، ومعاداة الأجانب، والقومية من الفوز بالسلطة، فقد تمكنوا من تحقيق قفزات، كما فعل حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات ألمانيا الفدرالية التي جرت مؤخرا.

لكن مشاعر الاستياء تجاه ما يسمى بالنخب، والتي نجح مثل هؤلاء القادة في استغلالها، يمكن رؤيتها في جانب اليسار أيضا. انظروا مثلا إلى حركة احتلوا وول ستريت في الولايات المتحدة التي ضمت شبابا يدّعون أنهم يمثلون التسعة وتسعين بالمئة الذين أُهملوا في الوقت الذي واصل فيه الواحد بالمئة تنمية أعمالهم وتعظيمها. كما عارض المتمردون من الحزب الديمقراطي، وعلى رأسهم السيناتور بيرني ساندرز، هيلاري كلينتون لنفس السبب تقريبا الذي عارضها لأجله نظراؤهم من اليمينيين: فبسبب خطاباتها في جولدن ساكس التي كانت تحصل لقاءها على مبالغ ضخمة، كان ينُظر إليها كممثلة لنخبة عولمية مرتبطة بوول ستريت.

كما شكّل شعور مشابه مُعادٍ للنخب، عززه جزئيا استياء الطبقة العاملة من الكوزموبوليتانية والتفاوت الاقتصادي، أساسا للتصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فمن بين 1800 ملياردير في العالم حاليا، يوجد 70 منهم في لندن التي يغلب عليها طابع الكوزموبوليتانية والثراء، والتي عارض سكانها بشكل كبير الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. لكن معارضة البقاء في الاتحاد الأوروبي جاءت نتيجة لتراكمات قضايا أكثر جوهرية تتعلق بالقومية والهوية، منها نفور المواطنين من المهاجرين غير الناطقين بالإنجليزية من الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وليس من الضروري أن يتقاطع ردا الفعل الاقتصادي والثقافي ضد العولمة دائما. فبينما يؤكد أردوغان ومودي، وكذلك شي جين بينج في الصين، مرارا وتكرارا على الهوية القومية، نجد أنهم لا يزالون من أنصار العولمة الاقتصادية ــ هنا يظهرون بمظهر "رجل دافوس" (أي لا يهمه الولاء القومي ويعتبر الحدود القومية عقبات سوف تندثر مع الزمن) الذي جاء ليمثل النخبة العالمية. بيد أن شبح الغموض الاقتصادي الحالي يعزز نزعاتهم المتعلقة بالانتصار للمصالح القومية ومعاداة المهاجرين وكذلك التعصب الشديد لقومياتهم، في الوقت الذي تتزايد فيه نزعات مماثلة في الغرب.

وبالنظر في نوعي رد الفعل المضادين للعولمة معا، سيتبين لنا أسباب إقامة حواجز الحماية أمام التدفق الحر للبضائع ورأس المال والعمالة في دول الغرب المتقدمة التي لطالما دعت لانفتاح أكبر. ولندع الأرقام هنا تتحدث عن نفسها. في عام 2007، وصل حجم تدفقات رأس المال العالمي مستوى قياسيا بلغ 12.4 تريليون دولار، أو 21% من الاقتصاد العالمي. وبحلول عام 2016، كان الإجمالي السنوي قد هبط إلى 4.3 تريليون دولار، أو 6% من الاقتصاد العالمي ــ وهو ما يقل عن حجم التدفقات عام 1980. ومع تفوق النمو الاقتصادي الكلي على نمو التجارة العالمي المقدر بأقل من 2.5%، تكون العولمة بذلك قد تراجعت عقودا.

لكن، رغم اعترافي بأن العولمة ليست حلا مثاليا، فقد انتشلت ملايين من الفقر في دول نامية كالصين والهند، وخلقت أسواقا جديدة للبضائع المصنعة في دول فقيرة، وأسهمت في خفض الأسعار للمستهلكين في الدول الغنية. لذا، من الأهمية بمكان مقاومة ردي الفعل الاقتصادي والثقافي المضادين للعولمة، وتحقيق وعد التكامل العالمي للجميع.

ترجمة: أيمن السملاوي          Translated by: Ayman Al-Semellawi

http://prosyn.org/OdwfoYH/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now