20

منع أزمة منطقة اليورو التالية يبدأ الآن

باريس ــ تضاءل اهتمام الزعماء الأوروبيين بمستقبل منطقة اليورو بشكل واضح منذ يوليو/تموز 2012، عندما أعلن رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي عن التزامه بالقيام "بكل ما يلزم" لإنقاذ العملة الموحدة. ولأكثر من أربع سنوات أوكل الزعماء استقرار منطقة اليورو وسلامتها لمحافظي البنوك المركزية. ولكن في حين أنجز البنك المركزي الأوروبي المهمة بمهارة، فإن هذا الترتيب الهادئ المريح يقترب من نهايته، لأن أي بنك مركزي لا يمكنه حل المشكلات السياسية أو الدستورية. ومن الحكمة أن يبدأ رؤساء الدول والحكومات في أوروبا من جديد وأن ينظروا في خيارات منطقة اليورو في المستقبل، بدلا من السماح للظروف بأن تقرر المسار نيابة عنهم.

حتى الآن، كان تحمس الزعماء الأوروبيين لمثل هذه المناقشة ضئيلا. ففي يونيو/حزيران 2015، أظهروا اهتمامهم باللسان فقط بتقرير عن مستقبل اليورو صادر عن رؤساء المؤسسات الأوروبية المختلفة. وبعد بضعة أسابيع، عادت القضية لفترة وجيزة إلى الأجندة عندما أمضى زعماء منطقة اليورو ليلة طويلة في أواخر يوليو/تموز في الجدال حول ما إذا كان عليهم طرد اليونان؛ ولكن نيتهم المعلنة بمتابعة ومعالجة المشاكل الأساسية كانت قصيرة الأجل. وأخيرا، تخلى الزعماء عن خطط الاستجابة لصدمة الخروج البريطاني بتعزيز منطقة اليورو، نظرا للتخوفات من أن يكون الإصلاح مسببا للانقسام.

 1972 Hoover Dam

Trump and the End of the West?

As the US president-elect fills his administration, the direction of American policy is coming into focus. Project Syndicate contributors interpret what’s on the horizon.

ولكن هذه القضية لم تختف. فعلى الرغم من تدابير التخدير النقدية التي سلمها البنك المركزي الأوروبي والتي خففت من توترات السوق، عادت العصبية إلى الظهور في الفترة السابقة للاستفتاء الدستوري الإيطالي في الرابع من ديسمبر/كانون الأول. وبحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، بلغت الفوارق بين السندات الإيطالية والألمانية لعشر سنوات نحو 200 نقطة أساس، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2004.

وكانت الحالة المقلقة التي انزلقت إليها عدة بنوك إيطالية من بين أسباب الانزعاج المتزايد. ويضيف الخروج البريطاني وانتخاب رئيس أميركي يدعو إلى الأمركة بدلا من العولمة ويرفض الاتحاد الأوروبي إلى الخطر المتمثل في اتجاه الناخبين، وليس الأسواق، إلى التشكيك في التكامل النقدي الأوروبي. كما أصبحت الأحزاب السياسية المناهضة لليورو في صعود في كل دول منطقة اليورو الكبرى باستثناء أسبانيا. وفي إيطاليا ربما تحظى هذه الأحزاب بالأغلبية.

وعلى الجبهة الاقتصادية، هناك الكثير من المهام غير المكتملة. فقد حقق الاتحاد المصرفي الذي بدأ في يونيو/حزيران 2012 لقطع الترابط المتبادل بين البنوك والدول تقدما معقولا ولكنه لم يكتمل بعد. كما تضاءلت الفجوات التنافسية بين أعضاء منطقة اليورو، وانحسرت اختلالات التوازن الخارجي داخلها، ولكن هذا كان راجعا بشكل كبير إلى انضغاط الطلب المحلي في جنوب أوروبا؛ ولم تُستأنف تدفقات الادخار من الشمال إلى الجنوب حتى الآن. وتظل فجوات البطالة متسعة.

ولا تزال منطقة اليورو تفتقر أيضا إلى آلية مالية مشتركة، كما رفضت ألمانيا بشكل قاطع المحاولة الأخيرة من قِبَل المفوضية الأوروبية لتشجيع "موقف إيجابي" في الدول التي لديها حيز لتعزيز الإنفاق. وبطبيعة الحال، عندما يأتي الركود المقبل، فمن المرجح أن يكون الاستقرار المالي منقوصا إلى حد خطير.

وأخيرا، يظل الحكم في منطقة اليورو مرهقا وتكنوقراطيا بشكل مفرط. ويبدو أن أغلب الوزراء، ناهيك عن المشرعين، ضلوا الطريق في مستنقع إجرائي.

الواقع أن هذا التوازن غير المرضي قد يدوم أو لا يدوم، وهو ما يتوقف على المخاطر السياسية أو المالية ــ أو في الأرجح التفاعل بين المخاطر السياسية والمالية. لذا فإن السؤال الآن هو كيف يمكن إدارة مناقشة مثمرة لرسم خريطة للاستجابات المختلفة. تتألف العقبات من شقين: فأولا، لم يعد هناك أي زخم تجاه "المزيد من أوروبا"؛ بل على العكس من ذلك، يشكل مزيج من التشكك في أوروبا والتردد بشأن التحويلات المحتملة حجر عثرة كبيرا. وثانيا، تتباين وجهات النظر حول طبيعة وجذور القضايا المرتبطة باليورو من دولة إلى أخرى. ونظرا لندرة رأس المال السياسي الذي يمكن إنفاقه على الاستجابات الأوروبية، والخلاف حول طبيعة المشكلة وكيفية حلها، فليس من المستغرب على الإطلاق أن تتوخى الحكومات الحذر المفرط.

وكل من هاتين العقبتين يمكن التغلب عليها. فبادئ ذي بدء، لا ينبغي أن تصاغ مناقشة مستقبل منطقة اليورو على أنها تقود بالضرورة إلى المزيد من التكامل. ولابد أن يكون الهدف إنجاح منطقة اليورو، وهو ما قد يعني ضمنا إعطاء المزيد من الصلاحيات للمركز في بعض المجالات، ولكن الإقلال منها أيضا في مجالات أخرى. على سبيل المثال، لا ينبغي اختزال المسؤولية المالية في الإنفاذ المركزي لنظام مشترك. ومن الممكن تصميم إطار سياسي يجسد نهج أقل مركزية، وتمكين المؤسسات الوطنية من مراقبة سلوك الميزانية والاستدامة المالية الإجمالية.

الواقع أن بعض الخطوات في هذا الاتجاه اتُخِذَت بالفعل. والمضي قُدُما يعني جعل الحكومات مسؤولة بشكل فردي عن سوء سلوكها ــ بعبارة أخرى، جعل إعادة هيكلة الديون الجزئية ممكنة داخل منطقة اليورو. ومثل هذا النهج من شأنه أن يثير صعوبات كبيرة، ولو لم يكن ذلك إلا لأن العبور إلى مثل هذا النظام في حد ذاته رحلة بالغة الخطورة؛ ولكن خيارات من هذا النوع لابد أن تكون جزءا من المناقشة.

وللتغلب على العقبة الثانية، لا ينبغي للمناقشة أن تبدأ بمعالجة مشاكل تراثية. وتوزيع العبء بين الدائنين والمدينين أمر ضار لا محالة، لأنه لعبة محصلتها صِفر. ويُظهِر تاريخ العلاقات المالية الدولية أن مثل هذه المناقشات يجري تأخيرها حتما وتكون مثيرة للنزاع بالضرورة عندما تحدث. ولهذا، لا ينبغي معالجة هذه القضية أولا. والواقع أن الخيار الواقعي ظاهريا والذي يتمثل في البدء بالمشاكل الملحة قبل معالجة القضايا الأطول أجلا ليس جاذبا إلا بشكل سطحي. وفي واقع الأمر، لابد أن تبدأ المناقشات بسمات النظام الدائم لترسيخها في الأمد الأبعد. وينبغي للمشاركين أن يعكفوا على استكشاف الخيارات المتماسكة منطقيا إلى أن يقرروا ما إذا كان بوسعهم أن يتفقوا على خطة عمل عامة. وعندما يتم التوصل إلى اتفاق على خطة العمل للمستقبل يصبح من الممكن مناقشة المسار نحو تحقيقها.

Fake news or real views Learn More

لا توجد حلول سريعة لمشاكل منطقة اليورو. ولكن بوسعنا أن نتأكد من أمر واحد واضح: وهو أن الافتقار إلى المناقشة الحقيقة لمسارات المستقبل المحتملة يدعو إلى القلق الشديد. فالصمت ليس دوما من ذهب؛ ومن أجل مستقبل أوروبا، لابد من كسر الصمت المحيط بقضية العملة الموحدة في أقرب وقت ممكن.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali