9

كارثة فرنسية غريبة أخرى

باريس ــ بدأ مظهر "ألعاب الجوع" في هذه الدورة من الانتخابات الفرنسية على اليسار. فقد أُسقِط الرئيس فرانسوا هولاند بواسطة حزبه الاشتراكي. وأصبح مانويل فالس، رئيس وزراء هولاند، الطبق الثاني على مأدبة آكلي لحوم البشر.

آنذاك، لم تكن جثة أحد الحزبين الرئيسيين في فرنسا هامدة مسجاة على الأرض فحسب، بل أصبحت عند مرحلة متقدمة من التفسخ والتحلل. والآن، في لحظة حيث قد يتوقع المرء من أي مرشح رئاسي أن يخبر الناس عن رأيه في دونالد ترمب، وفلاديمير بوتن، والمتطرفين الإسلاميين، لا يجد المرشح الاشتراكي الباهت بينوا هامون شيئا يتحدث عنه أفضل من إباحة الماريجوانا قانونا، والوحل الأحمر (نفايات ناتجة عن الإنتاج الصناعي للألومنيوم)، ومثبطات الغدد الصماء.

وعلى اليمين بدأت الكارثة تبلغ ذروتها للتو. ففي وقت مبكر، أُقصي الرئيس السابق نيكولا ساركوزي. أما رئيس الوزراء السابق ألان جوبيه، فبعد تتويجه رئيسا افتراضيا طوال قسم كبير من العام المنصرم، أطاح به أولئك الذين أحبوه حب العبادة. وفي أعقاب الفضيحة التي أحاطت بالمرشح الجمهوري والرجل الذي هزمه فرانسوا فيون، فَقَد جوبيه أعصابه في السادس من مارس/آذار وانسحب نهائيا من السباق.

الواقع أن فيون، الذي كان المرشح المتقدم بوضوح في مرحلة ما، واختيار أربعة ملايين ناخب في الانتخابات التمهيدية، جلب مظهر حزب المتمردين في محاولة لدفعه إلى الخروج من السباق. والآن تتكاثر المخططات، والمراوغات، والحسابات، والمساومات، وكلها ترتكز على استطلاعات للرأي فَسَّرَها المعادِل الحديث لممارسات التنبؤ الرومانية القديمة. وهذه جثة أخرى.

وهنا يأتي دور قضاة التحقيق، الذين من الواضح أنهم يلعبون دورهم الشرعي في الاستماع إلى الأدلة حول فضيحة الوظائف الوهمية التي تورطت فيها زوجة فيون وأبناؤه. بيد أن نزاهتهم لن تكون محل طعن من خلال تذكيرنا بطريقة رقيقة بأنهم أيضا بشر، وعُرضة للأهواء والضغائن البشرية؛ وأن السلطة الكبيرة التي مارسوها تميل إلى الوصول إلى أقصى مدى في الإمكان، مثلها في ذلك كمثل كل السلطات؛ وأنهم بالتالي أصبحوا عالقين تماما في شرك الحملة التي ينبغي لهم أن يبذلوا قصارى جهدهم للبقاء على مسافة بعيدة عنها (على سبيل الاق��باس من مونتسكيو).

لكن المواطنين والناخبين ــ كل واحد منا ــ يمثلون الجزء الأسوأ من هذه الصورة. وربما تتلخص علاقتنا الجديدة والغريبة بالساسة، كما يتضح من الظروف الحالية، في ثلاث كلمات.

النميمة. التجاذبات حول عدد الأربعاء من (Le Canard Enchaîné)، الصحيفة الساخرة الأسبوعية التي تحولت فكاهتها المتمردة العاصية، التي كانت ذات يوم غذاءً للمدافع الطليقة لليسار واليمين، إلى لغة السياسة اليومية. في سابق الأوان كانت قراءة الصحيفة، وفقا لهيجل، صلاة الصباح للفلاسفة. والآن أصبحت قراءة هذه الصحيفة بعينها تغذي شهية الناخبين النهمة للسخرية.

بأي قدر من الترقب الهازئ ينتظر القراء أحدث الأنباء حول الأنشطة الأساسية التي يزاولها المسؤولون المنتخبون ومنافسوهم! وبأي قدر من الابتهاج الجشع نلتهم جرعتنا الأسبوعية من الفساد، والعفن، والفضائح! وإلى أي مدى نشعر بخيبة الأمل الكئيبة، ونفقد اهتمامنا بالحياة فجأة، عندما لا يكون هناك بالصدفة أي جديد يستحق أن يُحكى! ألا ينبغي لنا أن نضع في الاعتبار، مثل الشاعر ستيفان مالارميه، أننا عندما نسلي أنفسنا بالتالي ونصبح ثملين بالفضائح، فإننا بهذا "نتثاءب بكآبة في انتظار نهاية قاتمة".

الدراما. بدلا من الحكم على الأمور بتعقل، نحصل على تعليقات تافهة متواصلة لا حصر لها حول تقلبات وتحولات السباق الانتخابي. ذات يوم، كانت وسائل الإعلام الإخبارية تغطي الأحداث الرياضية كما لو كانت سياسة. والآن أصبح التعليق السياسي أشبه بتغطية الأحداث الرياضية.

وأصبح "تحليل المباراة" نموذجا للسرد السياسي. في الدولة المحترمة التي وصفها ماركس بكونها أمة سياسية بامتياز، أصبحت السياسة شكلا فرعيا من أشكال كرة القدم، بفِرَقِها ومشجعيها وحكامها وهدافيها. أمِن المستغرب إذن أن يستعين زعماء اليمين ومدربوهم الوهميون في أوج مسألة فيون (مع إدانة الخلافات المذهبية والأسلوبية!) باللاعبين على مقاعد البدلاء، الذين كان من المفترض أنهم في انتظار الدخول في المباراة؟ وعلى نحو مماثل، يتساءل المرء ما إذا كان الموالون لفيون يرون فيه ما يزيد على جَلَده، وقدرته على تحمل الضربات، أو هيئته عندما ينهض بعد طرحه أرضا على ظهره وكأنه يعود إلى معركة لم تنته.

المساواة. كان الحرص على المساواة ذات يوم من أنبل المشاعر؛ وكان في هذه المشاعر حلم رعاية البدن السياسي، وتبجيل السياسة في هذه العملية. وأنا أتفق مع الفيلسوف جان كلود ميلنر، الذي يتحدى في كتابه الأخير "إعادة قراءة الثورة" كتاب أناتول فرانس "الآلهة ظمأى". فإلى جانب تزويد الناس ببساطة بجرعتهم اليومية من الدم، حاول روبسبير أيضا بطريقته أن يتفقد تحول الجماهير إلى غوغاء يسعون إلى الانتقام وأن يحاول إنقاذ ما يمكنه إنقاذه من التوازنات الكامنة في التسلسل الهرمي الجمهوري.

لن نجد أيا من هذا في نسخة اليوم من مذهب الحقوق المتساوية ــ لا شيء سوى الغوغاء الذي يقتربون على نحو متزايد من لحظة السلطة المطلقة في حين يروجون للمساواة ليس في المصالح المشتركة بل في الشكاوى والإهانات والضغائن والفساد. وبين أبناء التنوير المفتتين الذاهلين، وبين ورثة روسو الموتى الأحياء المتقلبين بين العدوانية، والعمى، واليأس، لم تعد المساواة مهمة واجبة بل تحولت إلى دنس، نوع من كفن مظلم، هالة من السخط والكراهية أصبح لساننا المشترك مربوطا بها كما العوّامة في المد والجذر.

إنها كارثة أخرى، ووهم آخر. فمن الحقوق المتساوية التخليصية إلى شكاية الفرص المتساوية وتصفية الحسابات، مشينا على مسار يقود المجتمع من الحياة إلى الموت.

بقدر ما قد يبدو هذا مخيفا، فهذا هو ما وصلت إليه فرنسا: فهي لا تعيش أزمة فحسب، بل يبدو أنها بلغت المراحل الأخيرة مما أسماه المؤرخ العظيم المناهض للنازية مارك بلوخ في عام 1940 "الهزيمة الغريبة" لأمته. ونحن الآن لا نواجه شجرة ظلم وحيدة، بل غابة شاسعة من الكلمات الغامضة التي تتسم بالخطورة البالغة والطيش في مهانتها.

في انتظار النهاية، وبتوجيه من آلهة الانتقام (الذين يترادف اسمهم في الأساطير الإغريقية مع الغضب، والعدالة أيضا)، تقبع متخذة هيئتها وكأنها بالمصطلح الكلاسيكي، تلبي مصيرا مروعا، إنها مارين لوبان.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali