11

أم التهديدات

باريس - كتب عالم النفس د. جورج وينيكوت في أوائل القرن العشرين: "قل لي ماذا يخيفك وسأقول لك ما حدث لك". يبدو ذلك واضحا، حتى يعتبر المرء كم أشياء حدثت له- وكم هناك من خوف.

لعدد الهائل من التهديدات التي تواجه العالم اليوم تذكرنا بمهازل الشخصيات المأساوية للكاتب لويجي بيرانديللو. في الغرب، يركز البعض على التطرف الديني - على وجه الخصوص، والأعمال الإرهابية، التي ترتكب باسم الإسلام.

ويوجه آخرون أنظارهم لروسيا، محذرين من حرب باردة جديدة، وصار هذا واضحا بالفعل في أوروبا الشرقية وعالم الإنترنت. ويصرح البعض الآخر، في ظل صعود الشعبوية اليمينية الضارية في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا، أن الخطر الحقيقي يكمن في الداخل.

حتى أولئك الذين يدركون كل هذه التهديدات يجتهدون من أجل تحديد الأولويات – وهو شيء حيوي لمعالجتها. مثلا، إذا كان الإرهاب الإسلامي هو الخطر الرئيسي، فقد يكون من المنطقي بالنسبة للغرب التحالف مع روسيا في مجال مكافحة الإرهاب.

لكن أليست الشعبوية اليمينية ، التي يدعمها الكرملين بشدة ، أكبر تهديد؟ في تلك الحالة فإن التحالف مع روسيا سيكون مدمرا للديمقراطية الليبرالية الغربية. في الواقع، المبالغة في التهديدات الإرهابية الإسلامية، والتقليل من خطر الشعبوية اليمينية، يقوي بشكل جيد ومباشر خطة وسلطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الاجتهاد من أجل تحديد أولويات التهديدات ليس حكرا على الغرب. في الشرق الأوسط، تحاول بعض البلدان مراقبة بلدان أخرى في المنطقة. ومن بين الأسماء المرشحة توجد الدولة الإسلامية (داعش) ، وإيران، وإسرائيل.

وبالنسبة لإسرائيل (والمملكة العربية السعودية)، الجواب واضح: إيران هي التي تشكل تهديدا. وبالنسبة لإيران، فإن الجواب هو إسرائيل (على الرغم من التوتر مع المملكة العربية السعودية). الغرب، أيضا، له آراؤه حول هذه المسألة: الاتحاد الأوروبي مقتنع بأن محاربة داعش يجب أن تكون على رأس الأولويات. وقبل بضعة أشهر، كان من الممكن موافقة الولايات المتحدة، رغم أن القضاء على داعش من أهداف الرئيس دونالد ترامب الأساسية والكبيرة، لكن قد يكون على استعداد للقتال لصالح إسرائيل من أجل إضعاف إيران.

في آسيا أيضا، تجد الدول صعوبة في توضيح المخاطر التي تواجهها. هل عليها التركيز على النظام في كوريا الشمالية باعتباره بلدا ضعيفا وأشد تقلبا من أي وقت مضى، وقد أطلق مؤخرا صاروخا باليستيا حو البحر قبالة الساحل الشرقي ؟ أو ينبغي على الدول الأسيوية مراقبة الصين، التي وسعت تدريجيا تأثيراتها في المنطقة والتي لها مطالب انتقامية؟

وبالنسبة لليابان وكوريا الجنوبية فإن كوريا الشمالية على رأس الأولويات. وفي نظر فيتنام وإندونيسيا وسنغافورة، فكوريا الشمالية لا تشكل في الواقع خطرا أكبر من الصين العملاقة والقومية على نحو متزايد. هذا ناهيك عن المخاطر الحادة الأخرى، مثل النزاع بين قوتين نوويتين وهما باكستان والهند.

عندما يتعلق الأمر بتصنيف التهديدات حسب الأولويات اليوم، لا توجد إجابات سهلة. وإذا لم نستطع ��لى ذلك سبيلا، فإنه من المحتمل تكرار بعض أخطاء الجسيمة في التاريخ.

قال الفيلسوف الفرنسي بول فاليري "إن التاريخ لا يعلمنا شيئا، لأنه يحتوي على كل شيء، ويقدم أمثلة عن كل شيء". ولكن، في هذه المرحلة، ليس من الصعوبة بمكان إجراء مقارنات تاريخية، خصوصا في أوروبا.

في أواخر القرن التاسع عشر، أدى ارتفاع القومية إلى تذكية الثورات والحروب الأهلية. في الثلاثينيات من العقد الماضي، فتح صعود النزعة الشعوبية في أوروبا الطريق لكارثة حقيقية، إذ أن كثيرا من الأوروبيين، كانوا على استعداد لتقديم تنازلات "للبُنيين" (الشعبويين القوميين) خوفا من "الحمر" (الشيوعيين). لكن سرعان ما اتضح أن التهديد الكبير الحقيقي هو النازية.

الدرس واضح. بدلا من محاولة تحديد أولويات التهديدات التي نواجهها - المساومة على هدف واحد لدفع الأهداف الأخرى - يجب علينا التصدي لها في كل مرة. وكما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل اسحاق رابين ، ينبغي علينا "محاربة الإرهاب كما لو لم تكن هناك عملية سلام، واتباع السلام كما لو لم يكن هناك إرهاب".

معركة مناهضة الإرهاب الإسلامي مهمة للغاية، لكن لا ينبغي أن تطغى على ضرورة حماية الديمقراطيات لدينا من خطر الشعبوية اليمينية. أن نقبل، على سبيل المثال، فوز لوبان زعيمة الجبهة الوطنية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، بحجة أنها على الأقل أفضل من السماح للإسلام المتطرف بمزيد من الانتشار، هو تجاهل لدروس التاريخ، وتجاهل للواقع أيضا.

لقد وُلد داعش من ثقافة الذل والتهميش ويقوده روح الانتقام كما النازية، ولكن داعش لا يمتلك أي شيء من الموارد الصناعية والعسكرية الضخمة التي كانت عند ألمانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي. داعش ليس "بالنازية الحديثة" التي ينبغي أن نخشاها. أنه إرهاب علينا محاربته، وفقا لروح رابين.

السباق الذي ينبغي الخوض فيه في الوقت نفسه هو السباق في بلداننا. وبدلا من السماح للشعبوية اليمينية بمواصلة التقدم استسلاما للخوف، ينبغي التصرف حسب تحليل واضح من أجل الحفاظ على مصالحنا، وقبل كل شيء، قيمنا. وسيكون ذلك بمثابة التوصل إلى حل وسط مع القمصان البنية (الشعبويين) خوفا من الحمر (الشيوعيين).

في ما مضى، وهو وقت ليس ببعيد، كان الاتحاد الأوروبي نموذجا للمصالحة والسلام والازدهار بالنسبة لبلدان أمريكا اللاتينية وآسيا. اليوم، أضحت أوروبا جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة نموذجا للخوف، حيث تخيفان الآخرين. وإذا عجز الأوروبيون إيجاد حلول ناجعة للتهديدات التي يواجهونها- بكل حزم وتفان- فمن يستطيع فعل ذلك؟